
حقل ” تورتو أحميم الكبير” وتعزيز مكانة موريتانيا في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي / سيدي ولد السالم
خلال السنوات الماضية شهد الساحل الموريتاني حملات استكشاف مكثفة من شركات مختلفة أدت إلى اكتشاف عدة حقول نفطية مثل : شنقيط، تيوف وثيفيت، ولاته ، أبيليندا، فوكون و كذلك حقول غازية مثل: باندا ، بيليكان ، أحميم ، بير الله .
يشكّل حقل ” تورتو أحميم الكبير” Greater Tortue Ahmeyim (GTA)، الذي تتناصفه موريتانيا والسنغال بشكل مشترك، تحولاً نوعياً في الشراكة الدولية وخريطة الطاقة في أفريقيا، ويضع البلدين للمرة الأولى في مصاف الدول المصدّرة للغاز الطبيعي المسال. ويُعد المشروع، الواقع في مياه المحيط الأطلسي الفائقة العمق على الحدود البحرية المشتركة بين البلدين، أعمق مشروع بحري في إفريقيا حتى الآن ، ويعتبر من أكبر مشروعات الغاز الأفريقية ذات الجدوى الاقتصادية والتنموية المشتركة. ويُقدّر نصيب كل بلد بنحو مليار دولار سنويًا مع احتياطيات تبلغ 15 مليار قدم مكعبة.
تصف شركة بي بيBP حقل تورتو أحميم بأنه أكبر مشروع في محفظتها، بحصّة تبلغ 56%، إلى جانب كوسموس إنرجي Kosmos Energy بحصّة 27 %، وشركة النفط الوطنية السنغالية (Petrosen) بحصّة 10%، والشركة الموريتانية للمحروقات (SMH) بحصّة 7%.
بدأت الصادرات التجارية للغاز الطبيعي المسال بشكل فعلي في الربع الأخيرمن السنة المنصرمة 2025، وبلغ إجمالي شحنات الغاز المسال 18.5 شحنة، بالإضافة إلى شحنة واحدة من المكثفات، حيث وصلت أولى الشحنات إلى مصر بأكثر من 214 ألف طن، ليصبح عنصراً مؤثراً في سوق الغاز العالمي خلال الفترة 2025–2035.
إذ عملت سفينة الغاز المسال العائمة بكامل طاقتها الاسمية البالغة 2.7 مليون طن خلال شهر ديسمبر 2025، لترتفع تدريجياً إلى حوالي 10 ملايين طن سنوياً بحلول عام 2030. ويعكس هذا المسار المتدرج توجهاً حذراً يوازن بين المتطلبات التقنية، وأمن المنشآت البحرية، والاندماج المرحلي في الأسواق العالمية.
وبعد عام 2030، يُرجّح أن يستقر الإنتاج عند هذه المستويات، وهو ما سيوفر وضوحاً أكبر للمستثمرين والمشترين على حد سواء.
رغم أن حقل أحميم الكبير لا ينافس كبار منتجي الغاز الطبيعي المسال مثل الولايات المتحدة وقطر وأستراليا من حيث الأحجام، إلا أن أهميته تكمن في تنويع مصادر إمداد الطاقة عالمياً.
رغم أهمية أحميم الا أن الحقل الذي يثير أكبر قدر من التطلعات لدى موريتانيا هو حقل بير الله الغازي، الواقع كليا في الحدود الموريتانية وعلى بُعد نحو 60 كيلومتراً شمال حقل أحميم، وعلى مسافة 100 كيلومتر قبالة السواحل الوطنية مع احتياطيات تُقدَّر ما بين 80 و110 مليارات قدم مكعبة، أي ما بين 2,260 و3,100 مليار متر مكعب.
إن دخول موريتانيا والسنغال إلى سوق التصدير يساهم في:
تقليص الاعتماد على مناطق تقليدية بعينها،
الحد من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بسلاسل التوريد،
توفير بدائل إضافية للمستوردين في أوروبا وآسيا.
ومن شأن ذلك تعزيز مرونة سوق الغاز العالمي، من دون إحداث اضطرابات حادة في التوازنات القائمة.
من المرجح أن يكون لتدفقات الغاز من مشروع أحميم الكبير تأثير مُهدّئ على أسعار الغاز الطبيعي المسال، لا سيما خلال فترات توتر الأسواق الفورية. غير أن هذا الأثر سيظل محدوداً بفعل استمرار نمو الطلب الآسيوي، وتقلبات المشهد الجيوسياسي، وتسارع سياسات التحول الطاقوي عالمياً.
وبذلك، سيؤدي المشروع دور «صمام أمان» للأسعار أكثر من كونه عاملاً لخفضها على المدى الطويل.
اقتصادياً، يمثل المشروع مكاسب اقتصادية مباشرة لموريتانيا والسنغال و فرصة مهمة للبلدين، إذ يُتوقع أن تسهم صادرات الغاز في:
دعم النمو الاقتصادي،
تعزيز الإيرادات العامة عبر الضرائب والإتاوات،
تحسين ميزان المدفوعات بفضل عائدات التصدير.
كما أن تخصيص جزء من الإنتاج للأسواق المحلية قد يساهم في خفض كلفة الكهرباء، ودعم التصنيع، وتحسين تنافسية الاقتصادين الوطنيين.
سيشكل حقل أحميم الكبير ثقل جيوسياسي لموريتانيا والسنغال على الساحة الطاقوية الدولية، ويجعلهما شريكين محتملين في استراتيجيات أمن الطاقة لكل من الاتحاد الأوروبي والأسواق الآسيوية. ومن المتوقع أن ينعكس هذا الدور في علاقات اقتصادية ومالية أوسع خلال السنوات المقبلة.
رغم الآفاق الإيجابية، يواجه المشروع تحديات تتعلق بتقلبات أسواق الطاقة، وتشديد المعايير البيئية، واشتداد المنافسة من مشاريع غازية أخرى، إضافة إلى تسارع التحول نحو الطاقات المتجددة.
وسيكون لمدى قدرة الحكومات والشركات المشغلة على إدارة هذه التحديات أثر حاسم في استدامة العوائد الاقتصادية للمشروع.
خلال الفترة 2025–2035، يُتوقع أن يتحول أحميم الكبير Greater Tortue Ahmeyim إلى ركيزة طاقوية إقليمية وعنصر استقرار في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي. غير أن الرهان الحقيقي يبقى في تحويل العائدات الغازية إلى تنمية اقتصادية مستدامة تتجاوز حدود دورة الهيدروكربونات.
د. سيدي ولد السالم
خبير في معالجة وتحليل المعلومات
الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي