قراءة للمشهد السياسي في أقصى الشرق/أحمد محمد أحمد طالب

القبيلة صدًى سحيق، أم وجود مركزي في الحوض الشرقي يعيد إنتاج السلطة التقليدية ؟

شكلت القبيلة منذ نشأتِ الدولة الحديثة سؤالَ الاستفهام، في بعدها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وقضية جدلية بين محافظٍ يتكئُ على عصا العصبية، ودعاة العملية الديمقراطية الذين يهشّمون رؤوسَ الأصنام القادمة من الزمن الغابر، في الخطاب التقدّميّ المعلنِ، وإن كانَ بعضهم يستفّ من دقيقها عند تنازع المصالح متعاليًا على المبدأ .

 

 

ومن مفارقات المنتبذ القصيّ أن تشبّ القبيلة في عهد الديمقراطية المزعومة، بعد أن شابت أيام حكم الحزب الواحد مع استيراد الإيديولوجيات والقوميات .

ممّا يؤكد أن التعدّدية الحزبية، والانفتاح الديمقراطي قد قاما في جوهرهما، على الخطاب التقليدي، فقد حرصت الأنظمة المتعاقبة على ترسيخ الولاء القبلي، مستغلّةً انعدام الوعي السّياسي، وتسخيره لخِدمتها في العمل الانتخابي وبناء الشّرعية السّياسية .

 

ومن هنا يأتي دور الحوض الشرقي بوصفه خزانًا شعبيًا، وملاذا أخيرا لِلأنظمة العسكرية، نظرا للكثافة السّكانية (625,643) حسبَ الإحصاء الأخير، إضافة إلى عوامل أخرى..

 

إلا أنّ المثير في المشهدِ هو انبعاث أجداثِ الماضي، وتصدرهم لِواجهةِ الفعل السياسي، كحالة من الأرستقراطية البدوية، فالفاعلون السياسيون في الحوض الشرقي يتوزعون بين وريثِ مَشيخةٍ، أو سلطة سياسية تاريخية في مجتمعه، فضلا عن قلّة من رجال الأعمال الذين أوصلتهم سلطة المال إلى المشهد السياسي، ممّا أبقى هَوامشَ المجتمع تاريخيا في منأًى عن مركز القرار .

 

لا شكّ أنّ هذه المبايعةَ التاريخيةَ في ظلّ غياب دولة المؤسّسات جعلَ صدى القبيلة يعلو، وكرّست اعتبارها النّقطة البلّورية الفاعلة اقتصاديا، عبرَ صناديقها، وتبرعاتها لذويها، واجتماعيا باحتوائها للتنازعات، في تجسيدٍ محض ‘لِدَولنةِ القبيلة’ .

 

وهذا ما يفسّر اندفاع النّاخب المعدم إلى بذلِ الغالي والنّفيس في سبيل إيصالِ مرشّحه -الذي غالبا ما تربطه به علاقة دمٍ، أو تبعيّة تاريخية- إلى المقعد السّياسي، غير مكترثٍ بتركه يواجهُ سوافي بطحاء النّعمه، والملاريا وتضاريس الحياة الرّماديّة، ودونَ مساءلة حقيقيةٍ لأدائه، أو قدرته على معالجة الإشكالات البنيويّة، من فقرٍ وبطالة، وتدهور صحيّ وبيئي .

 

 

إنّ النّخبَ السّياسية تمارس في هذا السّياق لعبة《الأقنعة》 على أرضية النّزعة القبليّة، عبر توظيفِ الخطاب التقليديّ، فضلا عن خلقِ صراعٍ وهميٍّ بين المجتمع، لِفتحِ سراديب التنافسِ على صناديق الاقتراع بين القطيع، بما يضمن مخرجات العمليةِ الانتخابية، وكلٌ في فلكٍ الأنظمة يسبحون، في تماهٍ وتعاقدٍ على الامتيازات الاجتماعية، مقابلَ الشرعية السياسية .

 

 

 

وأخيرًا، فإنَّ الوعي السياسيَّ، ومراعاةَ المصلحة العامةِ، والولاءَ للوطنِ، والمشاركة، كلُّها عوامل تخدم العملية الديمقراطيةَ وتنهضُ بها من طور البدائيةِ و”قَبنلةِ الدولةِ” إلى المساواة الديمقراطيةِ وفضاء التعدديةِ.

فالدولةُ، حسبَ فلاسفة الفكرِ السياسيِّ، جاءت لكسر الولاءاتِ الضيقة، لا لإعادة إنتاجِ السّلطةِ التقليديةِ .

 

 

 

أحمد محمد أحمد طالب في جامعة غاستون بيرجي السنغالية/ العلوم السياسية والعلاقات الدولية .

زر الذهاب إلى الأعلى