من اللوح الخشبي إلى الهندسة الإدارية/الدي ولد شيخن آل الطالب

بين مؤيد ومعارض، وبين من يراها ماضيا تجاوزه الزمن، ومن يوقن أنها أصل الزمن وروحه، تقف المحظرة شامخة كجبل من نور، لا تهزها الرياح ولا تغريها ضوضاء الحداثة.

هي ليست ألواحا من خشب، ولا متونا تحفظ، بل مدرسة أرواح قبل أن تكون مدرسة عقول، ومصنع رجال قبل أن تكون قاعة دروس.

 

في المحظرة تعلمنا أن للعلم هيبة، وللصبر معنى، وللتعب قيمة لا يدركها إلا من ذاق لذته. هناك تربت نفوسنا على القناعة، وشذبت أرواحنا بالمجاهدة، وكبر فينا الحلم على قدر المشقة.

 

أستعيد اليوم تلك الأيام البعيدة القريبة، أيام كنت فيها إلى جوار ابن عمي محمد سيدي عبدالله، الذي أناديه بالمكثر، نتقاسم اللوح، والتعب، والضحكة الخاطفة بين درس وآخر. لم نكن ندري آنذاك أننا نعيش زمنا سنحن إليه يوما حتى الوجع، وأن تلك اللحظات البسيطة ستتحول في ذاكرتنا إلى كنوز لا تقدر بثمن.

 

وكم لاقى منا شيخنا، العلامة المربي محمد غالي إزيدنابيه، من عناء وصبر. أشرف بنفسه على تعليمنا، وتابع خطواتنا، واحتمل جهلنا قبل علمنا، وتقصيرنا قبل اجتهادنا. لم نكن نفهم يومها لماذا يشدد، ولا لماذا يلح، لكننا نعلم اليوم علم اليقين أنه كان يريد لنا أن نكون كما كان يتمنى: رجال علم، وأصحاب رسالة، وحملة أمانة.

 

بفضل الله، ثم بفضل تلك التربية المحظرية الأصيلة، نحن اليوم خريجو محظرة المبدوعة 1، ونفخر بذلك فخرا لا يعرف الغرور، بل يعرف الامتنان. نفخر بأننا طلاب الشيخ العلامة، عضو هيئة كبار العلماء، الشيخ محمد غالي إزيدنابيه، وأن أسماءنا اقترنت يوما بتلك المدرسة العريقة.

 

ورغم أننا لم نترك التعليم المدرسي، ورغم أنني اليوم والحمد لله خريج المعهد العالي للهندسة الصناعية، وأن المكثر تخرج من كلية القانون، فإن أثر المحظرة فينا ظل أثرا خاصا، عميقا، لا يشبهه شيء.

هي التي منحتنا البوصلة، وربت فينا الضمير، وعلمتنا أن العلم أخلاق قبل أن يكون شهادات.

 

اليوم، ونحن نلتفت إلى الوراء، ندرك كم كان ذلك الزمن جميلا، وكم كنا أغنياء ونحن لا نعلم. نتمنى لو يعود، لا لنعيش فيه من جديد، بل لنقول له: شكرا لأنك صنعتنا.

 

المحظرة لم تكن مرحلة وانتهت، بل كانت روحا ما زالت تسكننا، وتمشي معنا أينما سرنا.

زر الذهاب إلى الأعلى