لماذا نقاوم الدولة التي نطالب بها؟ / القطب سيداتي

نوشك على انقضاء العقد السابع منذ استقلالنا عن المستعمر الفرنسي ، غير أن سؤال الدولة ما يزال مطروحًا أمامنا بإلحاح؛ فهل نجحنا في الانتقال من طور التأسيس الشكلي إلى طور الدولة الفاعلة، أم أننا ما زلنا نراوح في مساحة رمادية بين الدولة واللادولة، حيث تقوم المؤسسات ظاهرًا وتتعثر وظيفتها عمليًا؟

 

لقد انطلقت التجربة الوطنية بمشروع طموح لبناء كيان سياسي حديث فوق أرضية اجتماعية يغلب عليها الطابع البدوي التقليدي، غير أنه ومع مرور الوقت وتعاقب الأنظمة كانت النتيجة هي إنتاج منطق السلطة أكثر من منطق الدولة.

فمع مرور الزمن، أصبحت الدولة عند كثيرين منّا إطارًا إداريًا تُدار من خلاله المصالح، لا منظومة قواعد عامة مجردة يخضع لها الجميع دون استثناء.

 

وهذا ما لا تتحمل الأنظمة وحدها مسؤوليته فللتعثر بعدًا أساسيًا آخر يتعلق بالمجتمع ذاته.

فالدولة لا تعمل في فراغ، بل في بيئة اجتماعية قد تدعم مسار التنظيم أو تعيقه.

نحن ننتقد الفوضى في الأسواق، ونشتكي من تشويه وجه المدينة، لكن ما إن تشرع السلطات البلدية في تنظيم الفضاء العام وإزالة العشوائيات حتى تتعالى أصوات الاعتراض دفاعًا عن “المتضررين”، وكأن النظام اعتداء، لا ضرورة.

ونستنكر فوضى المرور التي أصبحت مرآة صادقة لسلوكياتنا اليومية، ثم إذا شُددت الرقابة وفرضت الغرامات، انقلب خطابنا من المطالبة بالانضباط إلى اتهام أجهزة التنفيذ بالقسوة أو بالجشع الجبائي. المفارقة أننا نرفض الفوضى نظريًا، وندافع عنها عمليًا حين تمس دوائرنا المباشرة.

 

الأمر ذاته يتكرر في قضايا تنظيم الإقامة والهجرة.

نشكو من اختلالات أمنية ومن ضعف هيبة الدولة، ثم حين تُفعّل إجراءات الضبط، يتحول النقاش إلى حالة انفعال عاطفي أو مزايدة خطابية، ويُنظر إلى التنظيم بوصفه تضييقًا لا حماية للمصلحة العامة.

هنا تتجلى إشكالية أعمق تتعلق بثقافة التكيف مع اللانظام، حيث يطور الأفراد شبكات مصالح في ظل غياب الضبط، ويصبح أي تنظيم تهديدًا لبنى اعتادت العمل خارج القواعد.

 

في هذا السياق، نمارس نوعًا من الانتقائية الأخلاقية؛ نطالب بدولة قوية تحمينا وتوفر الخدمات وتحفظ الأمن، لكننا نتراجع حين يتعلق الأمر بالخضوع الصارم للقواعد نفسها.

نريد نتائج الدولة الحديثة دون أن نتحمل كلفة الانضباط الذي تقوم عليه.

والواقع أن الدولة ليست جهازًا قمعيًا ولا مجرد إدارة جباية، بل إطارًا تعاقديًا يفترض مساواة الجميع أمام القانون، دون وساطات أو اعتبارات شخصية أو فئوية.

 

تاريخيًا، لا يمكن تجاهل أثر الإرث الاجتماعي التقليدي في إبطاء ترسيخ الدولة المركزية الحديثة، كما لا يمكن إنكار أن ضعف التربية المدنية، واتساع الاقتصاد غير المنظم، والتسييس المفرط لكل إجراء إداري، عوامل جعلت كل خطوة تنظيمية تبدو صراعًا بين السلطة والمجتمع بدل أن تكون إدارة للصالح العام.

لكن استمرار هذا النمط يعني بقاء الدولة مشروعًا مؤجلًا، مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت البرامج.

 

إن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات، بل بتراكم يومي صغير يبدأ من احترام الإشارة المرورية، والالتزام بتنظيم الأسواق، والنظر لعائد الجباية لا لمحصّلها، وقبول العقوبة حين نخالف قاعدة عامة، باعتبارها تطبيقًا لمبدأ لا استهدافًا لشخص.

الدولة العصرية ليست فكرة معلقة في الخطاب السياسي، بل سلوك اجتماعي متكرر يتحول مع الزمن إلى ثقافة جمعية.

 

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس نقص النصوص أو ضعف الأجهزة، بل هذا التناقض العميق بين ما نعلنه من تطلع إلى دولة ذات هيبة، وما نمارسه من سلوك يعطل شروط قيامها.

فإذا لم يتحول احترام النظام العام إلى قيمة مشتركة تتجاوز المصالح الضيقة، فسنظل نعاتب السلطة على عجز هو في جانب منه انعكاس لعاداتنا نحن.

فالدولة، في نهاية المطاف، ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل صورة مؤسسية لإرادته.

وإذا لم تتغير الإرادة، فلن تتغير الصورة.

زر الذهاب إلى الأعلى