الإنصاف … مرة أخرى / القصطلاني إبراهيم

مرة أخرى أحوم حول الإنصاف، حول هذا الإسم المختصر، بعد حوالي أربع سنوات من كتابة مقال بعنوان الإنصاف بسبب تسمية الحزب الحاكم بإسم الإنصاف https://www.rimnow.net/w/?q=ar/node/14993

فالإنصاف له معنى عميق جدا، ربما قصده من اختار التسمية بعناية و رأى فيها إختصارا لمعاني كثيرة، و عموما يمكن إستقراء هذا الإسم و استنباط الكثير من الدلالات المتعدية إلى أقصى مدى، من أبسطها أن تقرأ النص حتى النهاية قبل أن تحكم عليه من البداية.

 

حين يتولى الحكم شخص كان في النظام السابق و نخرج به من أزمة حكم حادة، كادت أن تعصف بالبلد، بعد أن نال إجماع كل الاطياف السياسية تقريبا، ثم بعد حوالي ثلاثة أشهر تبدأ أزمة جديدة ناتجة عن منافسة من كان يحكم سابقا لخلفه، عندها تكون الدعوة للإنصاف لها معنى خاص، حيث دعا فخامة رئيس الجمهورية إلى الإنصاف و صرح بأن كل من حكم سابقا كان له دور مهم في تنمية البلد، دون أن يغمط حق غيره.

 

حين يتأزم الوضع بسبب كورونا و حرب أوكرانيا و يتعامل معه النظام برزانة و حنكة رغم صعوبة الأوضاع ليخرج بأخف الضررين، بل بإشادة دولية، عندها يكون للإنصاف حضور قوي من خلال تنبيه الجميع أن الظروف الاستثنائية قد تتأخر بسببها الإنجازات بل قد تعيق بعضها.

 

حينما ينجز النظام بصمت إنجازات إجتماعية و تنموية كبيرة ،،من خلال تمكين آلاف الأسر من التأمين الصحي و توزيع المبالغ النقدية على الأسر المتعففة و تعبيد الطرق، و بناء الجسور و تشييد المؤسسات التعليمية و الصحية، و توفير البنى التحتية الطبية، و تقريب الخدمات الإدارية من خلال استحداث أدوات رقمية متطورة، يكون للإنصاف حضور بتنبيه الجميع أن المستهدف هو الطبقة الفقيرة..

حينما تتحول وضعية مئات الإعلاميين المتعاونين من متعاون إلى موظف رسمي، بعد أن قضوا أعواما عديدة في حالتهم الأولى، عندها يكون الإنصاف يسبق الإعلام في إعلان إنصافه..

 

حين يحارب الفساد بشكل متأني، حيث يحال المسؤول السامي إلى القضاء، و يفعل تقرير محكمة الحسابات، و تستعاد الأموال المنهوبة بصمت أحيانا و في العلن إن اقتضى الأمر، عندها نقرأ الإنصاف من جديد بنكهة تجمع بين حسن التدبير و صرامة التسيير.

 

حينما ينتقد رئيس الجمهورية في بعض الأحايين أداء حكومته، و يستحضر تحديات اللحظة و متطلبات النهضة بعزم و ثبات، داعيا المعارضة للعب دورها المهم بالنقد البناء، عندها يكون للإنصاف معنى آخر، يحيلنا إلى ضرورة الوحدة و التكامل و التعاون من أجل نهضة البلد.

 

حينما تطل أزمة الحرب في الشرق الأوسط بظلالها علينا، فنجدنا أمام أزمة نقص طاقة غير مسبوقة، عندها يكون من الإنصاف المبادرة إلى سياسة تقشف و العمل قدر المستطاع على الحد من صعود أسعار المواد الغذائية.

 

حينما يمنح المعلم و الأستاذ سلفة معتبرة على المدى البعيد لبناء سكن له، بعد زيادة معتبرة تمتص أقساط السلفة بأريحية، و في ظل أزمة دولية، عندها يكون الإنصاف هو عنوان المرحلة بإمتياز

 

إننا نحتاج أن نجسد الإنصاف واقعا ملموسا و أن نتكلم عن الواقع بلغة الواقع بعيدا عن التأزيم و التلوين، و ننصت للرأي الآخر دون ان نقصيه تحت ذريعة التصنيف و الشخصنة،

 

نحتاج أن نميز بين الوطن و النظام، و بين الأخطاء و المعوقات، و بين المعارضة و المعاداة، و بين فوضاء مواقع التواصل الاجتماعي، و مسؤوليتنا إتجاه واقع بلدنا.و لن نميز بين ذلك كله إلا إذا استحضرنا معاني الإنصاف في التعامل مع الأشياء،

 

يحب أن نخدم وطننا بغض النظر عن النظام الذي يحكمه، و ندعو إلى تصحيح الأخطاء دون أن نتجاهل التعامل مع المعوقات التي تحتاج إلى إجراءات استثنائية قد تبدو كخطإ بدونها، و نفهم أن المعارضة ليست عداء للنظام بل توجيه و منافسة في استشراف مستقبل ناهض للبلد و غيرة و حرص على مصالحه، و لا نجري وراء واقع افتراضي تختلف أهدافه في أغلب الأحيان عن أهداف الواقع المعاش، و يمتاز بفوضاء و حرية لا محدودة تصل حد اتباع الهوى.

 

لذلك نقول أننا بنظرة منصفة يمكننا أن نرى الكثير من الأمل و العطاء الذي تحجبه عنا نظرات متشائمة لا تريد أن ترى إلا البؤس و الغبن و الخسارة، حتى أصبحت من تشائمها تولد مشاهد اصطناعية لتستشهد بها على ما لم تستطع رؤيته واقعا.

 

فالإنصاف من شيم الأشراف.

زر الذهاب إلى الأعلى