
“النعمه تنزف بالدم”/البو ولد الوداني
النعمه ليست مجرد اسم على الخريطة، ولا عاصمة إدارية وُلدت بالمرسوم. النعمه تاريخ، وذاكرة، وقلب موريتانيا النابض في الشرق. لكن هذا القلب اليوم ينزف، والدم الذي يسيل منه ليس أحمر اللون فحسب، بل هو دم الثقة المفقودة، ودم الكرامة المهدرة، ودم الأحلام المؤجلة.
تمشي في شوارعها فتصطدم بواقعين لا يلتقيان: مدينة تكبر في الأرقام والإحصائيات، ومدينة تنكمش في حياة الناس اليومية. مشاريع تُعلن بالملايين، لكن الحفر تبقى كما هي، ومياه الصرف تطفح مع أول مطر، والشباب يقفون على الأرصفة يسألون: أين فرصتنا؟
المؤلم أن النعمه لا تفتقر إلى الإمكانيات. أرضها غنية، وموقعها استراتيجي، وأهلها صابرون. لكن ما ينقصها هو الإرادة الصادقة التي تضع المواطن قبل الحسابات الضيقة، وتضع المصلحة العامة فوق صفقات اللحظة. عندما يتحول المال العام إلى غنيمة، وعندما تُدار المدينة بعقلية الترضيات لا بعقلية التخطيط، تكون النتيجة الحتمية هي هذا النزيف الصامت.
والأخطر من النزيف نفسه هو التعود عليه. تعودنا على الشكوى بلا حل، وعلى الوعود بلا وفاء، وعلى الصمت الذي صار غطاءً للفشل. لكن المدن لا تموت دفعة واحدة، بل تموت عندما يموت الأمل في نفوس أبنائها.
إن إنقاذ النعمه لا يحتاج معجزة، بل يحتاج قراراً. قراراً بإعادة الاعتبار للمواطن، وتفعيل الرقابة، وفتح الباب أمام الشباب ليكونوا شركاء في بناء مدينتهم لا متفرجين على انهيارها. يحتاج إلى أن تعود البلدية مؤسسة خدمة، لا إدارة توزيع نفوذ.
النعمه تستحق أن تُعامل كعاصمة، لا كملف يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند الضيق. تستحق شوارع لا تبتلع السيارات، ومستشفيات لا ترد المرضى، ومدارس تُخرّج جيلاً يفخر بانتمائه إليها.
السؤال اليوم ليس عن حجم الجرح، بل عن مدى استعدادنا لوقف النزيف.
فإما أن نتحرك قبل أن تفقد النعمه ما تبقى من نبضها،
وإما أن نكتب في التاريخ أننا كنا شهوداً على موت مدينة كان يمكن إنقاذها.