
وسائل التواصل الاجتماعي في موريتانيا: بين الثقافة الشفهية الأصلية ومخاطر التضليل / نفيسه أحمد دوله
شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة رقمية هائلة غيّرت أساليب التواصل وتبادل المعلومات، وجعلت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات.
في موريتانيا، يمس هذا التحول مجتمعًا تميزه ثقافة تحتل فيها الشفهية مكانة كبرى. اليوم، فتحت له تكنولوجيا المعلومات الحديثة آفاقًا لم يكن يتخيلها، لدرجة أن التضليل والانزلاقات أصبحت جزءًا من الواقع اليومي.
اتجاه عالمي: حماية القاصرين بتقييد الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي
في مواجهة تفاقم الإدمان الرقمي، والمحتوى غير اللائق، والتحرش الإلكتروني، تسن العديد من الدول قوانين تمنع الأشخاص دون 15 أو 16 عامًا من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي.
• ماليزيا : إلزام منصات التواصل الاجتماعي التي يزيد عدد مستخدميها المحليين عن 8 ملايين (فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، يوتيوب) بالتحقق من العمر، مع حظر إنشاء حسابات لمن هم دون 16 عامًا;
• أستراليا: أول دولة غربية تمنع فعليًا وصول من هم دون 16 عامًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي عبر تعديل “السلامة عبر الإنترنت”;
• فرنسا: اقتراح قانون تم التصويت عليه في الجمعية الوطنية يهدف إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي قبل سن 15 عامًا، مع إلزامية التحقق من العمر.
تطورات أخرى: إندونيسيا، إسبانيا (رقابة أبوية صارمة)، اليونان (حظر مقرر في 1 يناير 2027).
الشفهية الموريتانية: قوة اجتماعية وثقافية
يتميز المجتمع الموريتاني بتقاليد تعتمد على التواصل الشفهيّ الراسخ منذ قرون. فالشعر، والمثل، والمجالس التقليدية العامة الاجتماعية، الأدبية ، العلمية (التويزة أو المحظرة)، ونقل المعرفة بالكلمة الحية هي في صلب التبادلات اليومية. هذه الثقافة تشجع على الكلام التلقائي، و الحاد أحيانا، لكنه دائمًا ما يحمل أصالة وذاكرة جماعية قوية.
مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتساب، تيك توك، تويتر)، وجدت هذه الشفهية أرضًا تعبيرية غير مسبوقة. وتضاعفت الرسائل الصوتية، ومقاطع الفيديو المباشرة، والنقاشات غير المكتوبة، مما سمح لسكان تشبثوا تاريخيًا بالكلمة بأن يتقنوا بسرعة الأدوات الرقمية.
آفاق غير متوقعة… لكن مخاطر يومية
إذا كانت هذه الانفتاحية قد أتاحت مشاركة و مواطنة أكبر وحق تعبير غير مسبوق، فإنها ولّدت أيضًا انحرافات خطيرة. في بلد لا يزال فيه جزء من السكان يعاني من الأمية أو ضعف الولوج إلى الرقمية، تنتقل المعلومة غالبًا دون تدقيق. الإشاعة، التي تضخمها مجموعات الواتساب والصفحات المجهولة، تنتشر بسرعة الرسالة الصوتية.
أصبح التضليل عملة متداولة: أخبار سياسية كاذبة، اتهامات لا أساس لها، تلاعبات الهواة. تتيح وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تخضع لرقابة فعالة، لأفراد أو مجموعات صغيرة الادعاء بأنهم يمثلون مكونات اجتماعية عريضة دون تفويض حقيقي. وهذه الظاهرة خطيرة بشكل خاص في مجتمع تستمد فيه سلطة الكلمة التقليدية قوتها من السمعة والمسؤولية الأخلاقية.
عندما لا يعكس عدد الناشطين الواقع الاجتماعي
في موريتانيا، فإن نسبة الأمية المرتفعة نسبيًا والولوج غير المتكافئ إلى الرقمية يجعلان الأكثر نشاطًا على الشبكات لا يمثلون في الغالب إلا أقلية. ومع ذلك، يمكن لكلماتهم أن تؤثر بشكل خطير على الرأي العام. هذه الفجوة بين الافتراضي والواقع تغذي التوترات المجتمعية، وتفاقم الانقسامات السياسية، وتُضعف العيش المشترك.
علاوة على ذلك، فإن غياب التنظيم الفعّال وضعف آليات التحقق يسمحان لخطابات الكراهية أو الإقصاء بالازدهار، مما يهدد السلام الاجتماعي الذي تم الحفاظ عليه بصعوبة في موريتانيا.
*توصيات من أجل استعمال مسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي*
في مواجهة هذه التحديات، تفرض عدة إجراءات نفسها:
· تعزيز التربية الإعلامية والرقمية: تكوين المواطنين، وخاصة الشباب، على التحقق من المصادر وتبني روح نقدية تجاه المحتويات المنشورة؛
· تقدير القنوات التقليدية للسلطة الأخلاقية: إشراك قادة الرأي المحترمين (أئمة، شيوخ قبائل، مثقفين) في مكافحة التضليل؛
· تأطير الفضاء الرقمي قانونيًا: حماية الحقوق والحريات مع معاقبة الانزلاقات (التحريض على الكراهية، الأخبار الكاذبة)؛
· تعزيز الحوار البناء: تنظيم مناقشات مؤطرة من قبل خبراء اجتماعيين و رجال الدين لإعادة بناء خطاب عام مسؤول؛
· دعم المبادرات المحلية: تشجيع الإعلام المجتمعي، والإذاعات الريفية، والمنصات التربوية الموريتانية على إنتاج معلومات موثوقة.
الشفهية كثراء، وليس كعائق
وسائل التواصل الاجتماعي لن تختفي، و تقليد التواصل الشفهيّ الموريتاني يظل رصيدًا ثقافيًا فريدًا. الرهان هو تجنب أن يتحول هذا الغنى إلى هشاشة في وجه التلاعبات الرقمية. المسؤولية تقع على عاتق الجميع – مواطنين، سلطات، رجال الدين، مربين، شبابًا وشيوخًا – لجعل هذا التحول الرقمي فرصة لتعزيز الديمقراطية والتماسك الاجتماعي، وليس عامل انقسام.
التوازن بين الأصالة الثقافية والحداثة التكنولوجية ممكن، بشرط التصرف بوعي وصرامة واحترام القيم الوطنية.
نفيسه أحمد دوله