
سبـــع عــجــــاف شــــداد/محمد ولد الطيب
إن من يحتفلون اليوم بما يسمونه زورا وبهتانا؛ “سبع سنوات من الإنجازات”! ليذكرنا حالهم بحال صاحب الجرادة حين أعياه العثور على نار ليشويها فيها ولم يجد إلا الرماد فدسها فيه فلم تتأثر وبقيت تتحرك في يده تريد أن تطير فقال مخاطبا إياها؛ ” فركسي ول لا اتفركسي والله يانتي أل طبتي ” وأكلها، وهذا تماما ما يحصل بالنسبة للمحتفلين في هذه الأيام على الخوى بعد أن بحثوا طويلا وأعوزتهم الحيلة ولم يجدوا ما يمكنهم تسويقه بحق على أنه إنجاز سوى الأوهام، فتفتقت عبقريتهم عن مثل هذه المسرحية السيئة الإخراج، وقالو نغمض أعيننا ونصم آذاننا ونهرب إلى الأمام بعيدا ونقول إنها فعلا: “سبع سنوات من الإنجازات”! يرحم الله صاحب الجرادة..
إن من يتحشدون اليوم – يقيمون الأنشطة والفعاليات ويجرون المقابلات وينظمون الندوات والمحاضرات ويتسابقون للظهور على وسائل الإعلام شارحين مضامين الخرجات متحدثين عن المنجزات – ليدركون قبل غيرهم حقيقة انعدامها وكذب ادعاء وجودها، وأنه لا إنجازات مطلقا، إنما هو التخبط وفقدان البوصلة واشتداد وطأة الفقر والعوز والغلاء والبطالة.. بسبب استشراء الفساد والنهب والغبن والرشوة والمحسوبية.. بل إن الرئيس غزواني نفسه ليدرك أكثر منهم وهو الحاضر في كل تفاصيل حياة موريتانيا منذ عهد الانقلابات والموجود ضمن دائرة أصحاب القرار حتى أصبح رئيسا وهو ليس بالمختل عقليا ولا بالمتخلف ذهنيا، وقد سافر في أرجاء الدنيا ورأى كيف تكون الإنجازات، ليعلم علما يقينيا أنه لا إنجازات، ويعرف من قرارة نفسه أن المنظومة لم تسع يوما لأن تنجز ولا أرادت ذالك ولا خططت له كي يظل الوطن حظيرة لهم وحديقة لعوائلهم وخدمهم وحشمهم يسرحون فيها ويمرحون، وإلا قل لي – ولسان الحال أصدق من لسان المقال – لم لم يتعالج هؤلاء هنا؟ ولم لم يشتروا دواءهم من هنا؟ ولم لم يودعوا ملياراتهم هنا؟ ولم لم يفتتحوا مصانع لهم هنا..؟! ثم كيف بعدها يصح أن نقول للرئيس أنجزت وهو لم يصنع دواءه ولا سلاحه ولم يزرع غذاءه، وكل ما لديه مستورد؛ الإبرة والشفرة وعود الثقاب والقلم والورقة والسبحة.. وكيف لمن هذا حاله أن يتوهم أنه أنجز أو يقبل أن يغالطه أيا كان ويقول عنه أنه أنجز؟!
إن الرئيس غزواني وأمام واقع مزر كهذا لا يمكن أن يختلف حوله اثنان ولا أن ينتطح فيه عنزان لم يبق أمامه غير واحد من احتمالين أحدهما هو سيد القرار فيه، والثاني مرغم عليه ومجبر:
الأول: أن يعترف بالعجز ويتقدم باستقالته فذالك أفضل له وللشعب وأسلم لأن ما لم ينجز في سبع سنوات لن ينجز في ثلاث ظروفها أصعب وأوضاعها أعقد والسائد فيها هو الاحتقان وفقدان الأمل وانعدام الثقة.. والمثل الشعبي يقول: “ألماج فاول الكصعه ماهو جاي فاعكابها” ولا أفق بغد أفضل نظرا لاستمرار نهج العشرية العزيزية الذي وعد الرئيس بالسير عليه وقد وفى بوعده في هذه.
الثاني: أن المنظومة الفاسدة المتحكمة لم تتح له فرصة القفز من القارب الغارق وتريد أن تلعب لعبتها القديمة وتسير سيرتها الأولى فأرغمته على البقاء في السلطة ولو ظاهريا حتى تنتهي من ترتيبات إعداد وتقديم المنقذ الجديد! تحمي به فسادها وتقوي به سلطانها حيث تجدد الأفعى جلدها وتسقط الأقنعة الزائفة عن الوجه الدميم القميء، فتتهل الوجوه بشرا وتنشرح النفوس فرحا ويخرج عامة الشعب في مسيرات يهتف فيها باسم الزعيم الفذ والقائد الملهم!!. وحسب المتبادر فإن فخامته قد استسلم لهذا الخيار وفرض عليه هذا المسار فرضا على أن تتكفل المنظومة بالإلهاء وإعطاء المسكنات للشعب لقاء الإبقاء له هو على امتيازاته كرئيس بقية المأمورية إذا لم يفجأهم انقلاب عنيف يقتلعهم، أو تدهمهم ثورة تقضي عليهم.
أما اللحلاحة والمداحة والمخنثون المحتفلون في كل واد والمتحدثون في كل ناد فلا يمكن أن يتجاوزوا قدرهم ولا أن يلعبوا أدوارا غير تلك المرسومة لهم أو المعهود منهم القيام بها، إنما حسبهم أن يتكلموا إذا طلب منهم الكلام ويشيدوا إذا طلبت منهم الإشادة وينددوا إذا طلب منهم التنديد.. أو يلوذوا بالصمت والتواري عن الأنظار إذا انتهت اللعبة
… لا يفتحون بغير ما تهوى فما
إنا لنعلم انهم قد جمعوا * ليصفقوا ان شئت ان تتكلما
وهم الذين إذا صببت لنا الأسى * هتفو بأن تحيا لنا وتسلما.
إن هولاء الكومبرص لا تتجاوز طموحاتهم هذا الحد إلا ما كان من تعبير عن استعداد فطري للعب أي دور يطلب منهم؛ تضليلا أو تدجينا، إغواء أو إلهاء.. حسب رغبة المنظومة، فيتبارون في تسجيل النقاط وبراءات الاختراع في التطبيل والتزمير، مبرزين ما لديهم من قابليات ومهارات في فن النفاق والتكيف لعل المنظومة تلتقط الإشارة فتوافق على قبولهم وترفيعهم، فإذا نال أحدهم تلك المنزلة لا يبالي بعدها كم قدم في سبيلها مما خزنته الذاكرة الجمعية عنه من نفاق وتملق ما دام حظي بصحبة الملإ وآنسوا منه الانصهار، ولم يعد ذالك الجسم الغريب كما كان قبل، فيفتح له باب الإثراء على مصراعيه بلا عناء، وينال الحظوة والشهرة والمتعة، ينهب ويسلب، ويلهو ويطرب، قد نال المبتغى وغاية المنى، وجاءت الغايات على قدر الأمنيات،
فنلت الذي كانت إليه مطامحي * فهان الذي قد كان بالأمسِ يرهق.
لكن ماذا بعد؟! إن ربك لبالمرصاد.