أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه / جدو ولد خطري

وتلك الصورةُ نفسُها تنطبقُ اليومَ على واقعٍ آخرَ، حيثُ يُؤكلُ المالُ العامُّ كالفستقِ “گَرْته “في الخفاءِ، ويُبتكرُ لهُ من التبريراتِ ما يُشبهُ “أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه “في وظيفتِه: لا ليُزيلَ الدَّسَمَ، بل ليُمتصَّ صرخاتُ الرأيِ العامِّ. فالمزورونَ يلبسونَ الأدويةَ المنتهيةَ أغلفةً جديدةً، ويُبرمونَ صفقاتِ التجهيزاتِ بأسعارٍ خياليةٍ، ثمَّ يرفعونَ تقاريرَ “الجودةِ” المزيَّفةَ أمامَ لجانٍ رقابيةٍ هي الأخرى أشبهُ ب “أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه “تمضغُ الملفاتِ ولا تهضمُ الحقائقَ. وإذا رآهم المواطنُ يأكلونَ الفستقَ “گَرْته”، رفعوا أمامَ عينيه ورقَةَ “التصحيحِ الإداريِّ”، فلا عقابَ، بل ترقياتٌ وتقاعدٌ مريحٌ، وكأنَّ الجريمةَ كانت مجرَّدَ سوءِ فهمٍ، وكأنَّ التزويرَ في صفقاتِ التجهيزاتِ ليس إلا خطأً تقنياً يعالجُ بلجانِ المراجعةِ التي تمتصُّ الزمنَ والعقابَ معاً.

 

وفي هذا السياقِ، تأتي الموالاةُ الحقيقيةُ للرموزِ في فضحِ هؤلاءِ، لا في التغطيةِ عليهم، وفي المطالبةِ بعقابٍ رادعٍ يقطعُ أيديهم قبلَ أنْ تصلَ إلى فستقِ الغدِ أو إلى صفقةِ التجهيزاتِ القادمةِ، لأنَّ خيانةَ الأمانةِ في أسفلِ الهرمِ هي التي تُفسدُ عدالةَ القرارِ في أعلاهُ. ومن يحبُّ وطنَه لا يتركُ الدَّسَمَ يتراكمُ في شرايينِ دولتِه، بل يُطهرُ الطريقَ أمامَ رموزِه من متسلقي المصالحِ والمزوِّرينَ، ويُذكِّرُ المؤسساتِ الرقابيةَ بأنها ليستْ أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه التي تمتصُّ الفضائحَ، بل سيوفاً يجبُ أنْ تقطعَ دابرَ الفسادِ قبلَ أنْ يستحيلَ ثقافةً، وقبلَ أنْ تُروى عنَّا حكاياتٌ مثلَ حكايةِ ذلك الأبِ الذي ظنَّ أنَّ أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه يمتصُّ الدسمَ، فنالَ جزاءَ خوفِه من زوجتِه ضحكةً من صديقِه وحيرةً من ابنِه، لا عقاباً من رقيبٍ ولا عدلاً من قاضٍ.

زر الذهاب إلى الأعلى