
الخطاب البلاغي وضجيج الأزمات: هل يبنى المستقبل بالشعارات أم بالمؤسسات؟ / سيدنا ولد السبتي
يطل علينا النائب بيرام ولد الداه ولد اعبيد، من جديد، ببيان سياسي يزخر بالمفردات الكبيرة، ويستدعي لغة “مخاطبة الضمائر”، ويرسم أمام القارئ صورة قاتمة لموريتانيا، وكأن البلاد تقف على حافة هاوية لا يفصلها عن الانهيار سوى لحظة.
وكعادته، يعيد الخطاب إنتاج الثنائية نفسها: شعب مسحوق في جهة، وسلطة غارقة في الفساد في الجهة الأخرى؛ تغيير جذري من ناحية، وجمود ومقاومة للإصلاح من ناحية مقابلة. ثنائية تبدو جذابة في الخطاب السياسي التعبوي، لأنها تختصر الواقع المعقد في صورة بسيطة يسهل تسويقها واستثمارها عاطفيا، لكنها في الوقت نفسه تتجاهل حقيقة أساسية: الدول لا تبنى بالصراخ، ولا تنهض بالشعارات، ولا تصلح بالتعبئة الدائمة، وإنما تبنى بالمؤسسات، وتصلح بالقانون، وتتقدم بتراكم السياسات والبرامج والإنجازات.
ومن حق أي سياسي أن ينتقد السلطة، ومن حقه أن يرفع سقف مطالبه، بل إن المعارضة الجادة ضرورة لأي نظام ديمقراطي حي. لكن الفرق كبير بين المعارضة التي تضع يدها على مكمن الخلل وتقترح سبل إصلاحه، وبين خطاب يجعل من كل إنجاز وهما، ومن كل مؤسسة خصما، ومن كل مشكلة دليلا على انهيار شامل.
إن القراءة الهادئة والمنصفة لواقع موريتانيا اليوم تقود إلى نتيجة مختلفة تماما عن الصورة التي يحاول الخطاب التشاؤمي ترسيخها. فموريتانيا ليست عالقة بين “الجمود” و”الانهيار”، كما أنها ليست أمام خيارين: إما القطيعة الجذرية وإما استمرار الفساد. هناك طريق ثالث أكثر واقعية، وأكثر صعوبة أيضا: طريق الإصلاح التراكمي، وبناء المؤسسات، والحفاظ على الاستقرار، ومعالجة الاختلالات دون هدم الدولة فوق رؤوس الجميع.
أولا: الفساد… بين المزايدة السياسية واحترام المؤسسات
لا أحد ينكر أن الفساد يمثل تحديا حقيقيا، وأن محاربته مسؤولية وطنية لا ينبغي أن تخضع للمساومة أو الحسابات السياسية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الفساد من قضية وطنية تستوجب التحقيق والمحاسبة إلى شعار جاهز يطلق في كل مناسبة، ثم تستخدم التعميمات والأحكام المسبقة لإدانة الجميع قبل أن تقول المؤسسات المختصة كلمتها.
محاربة الفساد لا تعني أن يحل السياسي محل القاضي، ولا أن تتحول المنابر السياسية والإعلامية إلى محاكم تصدر الأحكام قبل اكتمال التحقيقات.
القطيعة الحقيقية مع الفساد تبدأ حين تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من النفوذ ، والرقابة أكثر فاعلية، والقضاء قادرا على القيام بدوره بعيدا عن التوظيف السياسي.
أما اختزال ملف معقد بحجم الفساد في عبارات من قبيل “النظام يحمي الفساد” أو “كل شيء فاسد”، فلا يخدم محاربة الفساد بقدر ما يزرع الإحباط ويقوض ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها.
ومن يريد إصلاح الدولة حقا، عليه أن يقوي مؤسساتها، لا أن يسحب منها ما تبقى من ثقة الناس.
ثانيا: موريتانيا في محيط إقليمي مشتعل… هل الاستقرار أمر عادي؟
هناك إنجازات لا تظهر في البيانات السياسية، لأنها ببساطة لا تصنع ضجيجا.
وفي مقدمة هذه الإنجازات: الاستقرار.
موريتانيا تقع في منطقة الساحل، وهي منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة انقلابات واضطرابات أمنية، وصراعات مسلحة، وتراجعا خطيرا في حضور الدولة داخل أجزاء واسعة من بعض دول الجوار.
وفي مثل هذا المحيط، فإن بقاء الدولة الموريتانية مستقرة، ومؤسساتها قائمة، وحدودها مؤمنة، وحياتها السياسية مستمرة، ومجتمعها محافظا على قدر كبير من السلم الأهلي، ليس أمرا ينبغي التعامل معه باعتباره تحصيل حاصل.
الاستقرار ليس شعارا، بل هو الشرط الأول لأي تنمية.
فلا استثمار من دون أمن، ولا تعليم مستقرا من دون دولة مستقرة، ولا مشاريع كبرى في ظل الفوضى، ولا إصلاح اجتماعي يمكن أن يستمر إذا انهارت مؤسسات الدولة.
ولهذا فإن الحفاظ على الاستقرار لا يعني الدفاع عن الجمود، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني بالضرورة هدم ما هو قائم.
الحكمة السياسية تكمن في الجمع بين الأمرين: إصلاح لا يهدم الدولة، وتغيير لا يهدد السلم الأهلي، ومعارضة لا تحول الخلاف السياسي إلى خصومة مع الوطن نفسه.
ثالثا: التهدئة السياسية ليست استسلاما… بل خيار دولة
من أكثر الأخطاء شيوعا في الخطاب السياسي الموريتاني اعتبار التهدئة ضعفا، والحوار تنازلا، والابتعاد عن الصدام دليلا على غياب الإرادة.
والواقع أن إدارة الدولة ليست معركة دائمة.
إن السنوات الأخيرة أظهرت أن تخفيف الاحتقان السياسي وفتح المجال أمام الحوار والابتعاد عن المناكفات اليومية يمكن أن يوفر بيئة أكثر ملاءمة لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الخطب النارية، وإنما بمدى وصول أثره إلى حياة المواطن.
حين تصل الحماية الاجتماعية إلى الفئات الهشة، وحين تتوسع برامج التأمين الصحي، وحين تستهدف السياسات العمومية الفقراء والمهمشين، وحين تستمر الدولة في الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والخدمات الأساسية، فإن هذه الأمور قد لا تصنع عناوين مثيرة، لكنها تصنع تغييرا حقيقيا في حياة الناس.
وهنا يكمن الفرق بين الإصلاح الذي يبحث عن التصفيق، والإصلاح الذي يبحث عن النتائج.
الأول يحتاج إلى جمهور كل يوم، والثاني يحتاج إلى مؤسسات تعمل كل يوم.
رابعا: الشباب… مواطنون يصنعون المستقبل أم وقود للمعارك السياسية؟
من السهل جدا مخاطبة الشباب بلغة الغضب، واستحضار إحباطاتهم، وتحويل طموحاتهم المشروعة إلى وقود سياسي.
لكن الأصعب هو إقناعهم بأن بناء المستقبل يحتاج إلى صبر، وعلم، وعمل، ومؤسسات، وتراكم.
الشباب الموريتاني لم يعد مجرد كتلة يمكن تحريكها بالشعارات. إنه جيل أكثر اتصالا بالعالم، وأكثر اطلاعا على تجارب الدول، وأكثر قدرة على المقارنة بين الخطاب والنتائج.
وهو يريد مدرسة أفضل، وجامعة أكثر كفاءة، وفرص عمل حقيقية، واقتصادا قادرا على استيعاب طاقاته، ودولة توفر له العدالة وتكافؤ الفرص.
ومن هنا فإن مشروع المدرسة الجمهورية، مهما اختلفت الآراء حول تفاصيله، يندرج ضمن محاولة لإعادة بناء المجال التربوي على أساس المواطنة والمساواة، وليس مجرد شعار انتخابي عابر.
كما أن التحولات الاقتصادية والاستثمارات المرتبطة بالثروات الوطنية تفتح أمام موريتانيا فرصا كبيرة، لكن هذه الفرص تحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات يقظة، ورؤية استراتيجية، وليس إلى حالة دائمة من الصراع السياسي.
الشباب لا يحتاج إلى من يقول له فقط: “غاضبوا”.
إنه يحتاج إلى من يقول له أيضا: تعلموا، اعملوا، شاركوا، راقبوا، حاسبوا، وابنوا.
خامسا: المطالب الاجتماعية المشروعة لا تحتاج إلى تضخيم الأزمات
لا خلاف على أن موريتانيا ما زالت تواجه تحديات كبيرة.
الفقر لم ينته، والبطالة لم تختف، والفوارق الاجتماعية ما زالت موجودة، والخدمات تحتاج إلى تحسين، والإدارة تحتاج إلى مزيد من الإصلاح، ومحاربة الفساد تحتاج إلى استمرار وتطوير.
لكن الاعتراف بهذه الاختلالات لا يعني أن الدولة فاشلة، كما أن الإشادة بما تحقق لا تعني إنكار ما لم يتحقق بعد.
وهنا تحديدا تكمن مسؤولية الخطاب السياسي.
فالمعارضة الوطنية الحقيقية ليست التي تقنع المواطن بأن كل شيء سيئ، وإنما التي تقول له: نعم، هناك مشاكل، وهذه هي أسبابها، وهذه هي الحلول التي نقترحها.
أما أن تتحول كل مشكلة إلى دليل على انهيار الدولة، وكل إنجاز إلى دعاية، وكل إصلاح إلى مناورة، وكل اختلاف إلى مؤامرة، فذلك لا ينتج وعيا سياسيا، بل ينتج حالة دائمة من الشك والإحباط.
والدول لا تتقدم بالإحباط.
سادسا: هل التغيير يعني القطيعة؟
هذه هي المسألة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلا.
ما معنى “التغيير الجذري” إذا كان ثمنه زعزعة الاستقرار؟
وما قيمة القطيعة إذا كانت ستعيد إنتاج المشكلات نفسها بأسماء جديدة؟
التغيير الحقيقي ليس أن نستبدل الأشخاص فقط، ولا أن نهدم المؤسسات القائمة ثم نبحث عن مؤسسات جديدة.
التغيير الحقيقي هو أن تصبح الدولة أكثر عدلا، والإدارة أكثر كفاءة، والقانون أكثر حضورا، والقضاء أكثر استقلالا، والتعليم أكثر جودة، والاقتصاد أكثر قدرة على خلق الفرص، والمواطن أكثر شعورا بأن الدولة دولته.
وهذا النوع من التغيير لا يحدث في ليلة واحدة، ولا يصنعه بيان سياسي مهما كان بليغا.
إنه يحتاج إلى سنوات من العمل الهادئ.
ختاما: موريتانيا أكبر من أن تختزل في بيان
موريتانيا ليست بلدا مثاليا، ولا ينبغي لأحد أن يدعي ذلك.
لكنها أيضا ليست بلدا منهارا ينتظر لحظة الخلاص على يد خطاب سياسي واحد.
هي دولة لها مؤسساتها، ومجتمعها، وتاريخها، وتحدياتها، ونقاط قوتها وضعفها، وتحتاج إلى الإصلاح كما تحتاج إلى الاستقرار.
نحن بحاجة إلى معارضة قوية، نعم.
لكننا بحاجة قبل ذلك إلى معارضة مسؤولة.
نحتاج إلى نقد يضيء مواضع الخلل، لا إلى خطاب يحرق كل شيء.
نحتاج إلى سياسي يرفع سقف الطموح، لا إلى سياسي يرفع سقف اليأس.
نحتاج إلى خطاب يوحد الموريتانيين حول المستقبل، لا إلى خطاب يعيد تقسيمهم إلى فسطاطين، ثم يوحي بأن الوطن لا خلاص له إلا عبر القطيعة.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي ليس أن ينتقد الدولة، وإنما أن يقنع المواطن بأن دولته لا تستحق الثقة، وأن مؤسساتها لا تستحق الاحترام، وأن كل ما تحقق وهم، وأن المستقبل لا يمكن أن يأتي إلا من خلال الصدام.
فالدولة قد تخطئ، والحكومة قد تقصر، والمسؤول قد يفشل، والسياسات قد تحتاج إلى مراجعة.
لكن علاج ذلك كله لا يكون بهدم الدولة.
نحن لا نحتاج إلى موريتانيا جديدة تبدأ من الصفر، بل إلى موريتانيا أقوى تبني على ما تحقق، وتصحح ما اختل، وتسد الثغرات، وتفتح أبواب الأمل أمام أجيالها القادمة.
فالاستقرار ليس عدوا للإصلاح، والإصلاح ليس عدوا للاستقرار.
بل إن المعادلة الأصح هي:
استقرار يحمي الإصلاح، وإصلاح يعزز الاستقرار، ومؤسسات تحمي الاثنين.
وهذا هو الطريق الأصعب، لكنه الطريق الأكثر أمانا لبناء دولة قوية ومستقبل يستحقه الموريتانيون.
سيدنا ولد السبتي.