
ما بين المترشح والنتيجة/ الشيخ يب أعليات
استوقفتني تدوينة أعاد الوزير الأول المختار ولد أجاي نشرها على صفحته الشخصية في «فيسبوك»؛ لم تكن بيانا حكوميا، ولا إعلانا عن أرقام اكتتاب جديدة، بل كانت شهادة شخصية كتبها مهندس يستعيد فيها تجربة تعود إلى مطلع الألفية.
يروي الرجل أنه تخرج في بداية سنوات الألفين، وانتظر، كغيره من الشباب، فُرصة دخول الوظيفة العمومية.
وحين أعلنت وزارة النقل يومها اكتتاب عدد من المهندسين، لم تدم فرحته طويلا؛ فقد راج، حسب روايته، أن أسماء مهندسين حُذفت مُسبقا بفعل تدخلات، قبل أن تمضي السنوات ويجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف: مترشح يجلس أمام جهاز «لا يعرف حسبه ولا نسبه ولا قبيلته»، ويُجيب عن أسئلة مُحددة، ثم يحصل على نتيجته.
وعلق الوزير الأول على التدوينة بالقول إن ما يحدث «يحقق طموح صاحب الفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بوضع آلية شفافة وعادلة لاختيار الأجدر والأكفأ بعيدا عن أي اعتبارات أخرى».
وبصرف النظر عن التجربة القديمة التي تبقى رواية صاحبها، فإن المثقارنة التي أقامها الكاتب بين المشهدين تستحق التوقف؛ لأن ما تغير بينهما يتجاوز الانتقال من الورقة إلى الجهاز اللوحي.
فحين تتحول المسابقة من ملفات تتداولها الأيدي إلى منظومة رقمية تضبط هوية المترشح وأسئلته وإجاباته وتصحيحه، فإن الإدارة لا تكتفي بتغيير أداة الاختبار، بل تتقلص المساحات التي يمكن أن تنفذ منها الاعتبارات الشخصية على حساب الكفاءة.
بدأ هذا المسار يأخذ أبعادا عملية في المسابقات الوطنية؛ ففي «ميثاق المسابقة» الصادر عن اللجنة الوطنية للمسابقات في أبريل الماضي، ظهرت منظومة تعتمد تقنية التعرف على الوجه لتوثيق هوية المترشح، والألواح الإلكترونية لإجراء الاختبار والتصحيح.
وفي مسابقة اكتتاب 390 عنصرا، مثلا، وفرت اللجنة منصة لمحاكاة الامتحان وتدريب المترشحين على استخدام التقنية قبل موعد الاختبار.
ولا يبدو هذا التوجه تجربة معزولة؛ فقد وضعت وزارتا التربية والتحول الرقمي خارطة طريق للتدرج في رقمنة الامتحانات والتصحيح، بهدف رفع الدقة والشفافية وتقليل الأخطاء التنظيمية.
كما تابعت لجنة وزارية برئاسة الوزير الأول مختلف مراحل عملية الاكتتاب المتواصلة هذه الأيام، التي يُشير إليها صاحب التدوينة، في سياق رسمي يربط التوظيف بالاستحقاق وتكافؤ الفُرص.
بيد أن أهمية هذه الأدوات لا تكمن في حداثتها التقنية؛ فاللوح الرقمي ليس أكثر عدلا من الورقة بذاته، والرقمنة لا تنتج الشفافية تلقائيا.
ولكن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا تظهر عندما تُعيد هيكلة الإجراء الإداري نفسه؛ فتُقلص التدخل البشري حيث لا تكون إليه حاجة، وتُوحد القواعد الناظمة للمنافسة، وتجعل مراحل العملية أكثر قابلية للتتبع والمُراجعة.
ذلك أن الشفافية الإدارية لا تتأتى دائمًا من البحث عن موظف عصي على الضغط، بل من بناء مسار يقلل من الأساس الفرص المتاحة للتأثير على النتائج.
وهذا المبدأ يتجاوز حدود السياق المحلي الموريتاني؛ ففي تقرير حديث حول أداء القوى العاملة العمومية، يضع البنك الدولي التوظيف القائم على الجدارة ضمن ركائز بناء إدارة عامة أكثر كفاءة، مشيرا إلى أن الاختبارات التنافسية القائمة على تقييم المهارات تسهم في اختيار عناصر أكثر قُدرة على أداء المهام المطلوبة، فيما تربط الأدبيات التي يستعرضها التقرير بين التوظيف التنافسي القائم على الكفاءة وتحسن أداء الخدمات العامة.
وهنا يحصل التحول الرقمي على معناه الأعمق؛ ففي المجتمعات التي تُمثل فيها الدولة أحد أهم المشغلين، لا تُختزل الوظيفة العمومية في راتب يتقاضاه الفرد نهاية الشهر، بل تشكل مساحة شديدة الحساسية لمفهوم الإنصاف.
وحين يتقدم آلاف الشباب لعدد محدود من المقاعد، فإن أعداد الذين لن يُحالفهم الحظ ستفوق حتما أعداد المقبولين.
ولذلك، لا توجد مسابقة قادرة على إرضاء الجميع، لكن المنظومة الناجحة هي التي تمنح غير الناجح قدرا أكبر من الثقة بأن فُرصته كانت مُكافئة لفرصة غيره.
وهذه المسألة تتعلق بالثقة المؤسسية بقدر ما تتعلق بأرقام التوظيف؛ فالمترشح الذي يخضع لقواعد مُعلنة، وتثبت هويته بالآلية ذاتها، ويُؤدي امتحانه داخل المنظومة نفسها، يُصبح أكثر قُدرة على التعامل مع النتيجة بوصفها حصيلة مسار واضح ومحدد يمكن تتبعه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمّل التكنولوجيا أكثر مما تحتمل؛ فالعدالة الإجرائية تبدأ قبل الجلوس أمام الجهاز، من ضبط شروط الترشح، وشفافية قبول الملفات، وصياغة أسئلة تقيس الكفاءة الفعلية.
وتستمر بعد إعلان النتائج عبر إتاحة آليات التظلم والمراجعة وتصحيح الاختلالات التقنية عند حدوثها؛ فالرقمنة الجيدة لا تلغي الرقابة، بل توفر لها أدوات أكثر دقة.
ولهذا يكمن الرهان الأساسي في ألا تظل هذه التجارب محصورة في مسابقة أو قطاع معين، بل أن تتحول، بعد تقييم نتائجها وتصحيح ما يظهر من نواقص، إلى مسارات ثابتة للولوج إلى الوظيفة العمومية.
إنَ التحول الإداري الحقيقي لا يقاس بعدد الأجهزة التي تدخل قاعات الامتحان، بل بمقدار ما تحدثه من تغيير في أداء المؤسسة وثقة المجتمع بها.
ومن هنا أعود إلى التدوينة التي بدأ منها الحديث؛ فصاحبها لم يكن، في جوهر ما كتب، يحتفي بجهاز لوحي ولا بتقنية التعرف على الوجه، بل كان يستعيد فرصة شعر قبل أكثر من عقدين أنها ضاعت منه، ثم ينظر إلى مترشح اليوم ويرى أن المسافة بينه وبين النتيجة أصبحت أقصر وأوضح.
وقد تكون تلك هي القيمة الأهم لهذا التحول؛ وهي أن يدخل المترشح قاعة الامتحان وهو يعرف أن المطلوب منه أن يقدم ما يعرفه، لا أن يبحث عمن يعرفه.
وإذا نجحت الرقمنة في تكريس هذا المبدأ معيارا ثابتا في مسابقات الوظيفة العمومية، فإن أهم ما ستكون الإدارة قد رقمنته ليس الامتحان نفسه، وإنما جزء من الثقة بين المواطن والدولة.