
الوطنية ركيزة بناء الدولة الموريتانية: مقاربة في المفهوم والأبعاد/ محمد الطالب بوبكر
تعتبر الوطنية في مفهومها الأكاديمي إحدى الركائز الجوهرية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وتستمد منها مقومات قوتها واستمراريتها، وهي في السياق الموريتاني قيمة تاريخية متجذرة تشكلت عبر تضحيات الآباء المؤسسين من أجل نيل الاستقلال وبناء كيان الدولة، وهي بذلك ليست مجرد شعور وجداني عاطفي ظرفي، بل هي منظومة قيمية متكاملة ومبادئ راسخة وسلوك مدني يومي يترجم الانتماء إلى عمل ملموس وبناء مستدام.
إن التحليل الموضوعي لمفهوم الوطنية الحقة يبرز أنها تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن الانتماء للوطن هو الانتماء الجامع والشامل الذي يستوعب كافة الانتماءات الفرعية الأخرى، وعليه فإن المواطن الموريتاني الوطني وفق هذا التصور هو من يضع المصلحة العليا للدولة الموريتانية فوق كل اعتبار ذاتي، ويجعل من احترام القانون والمؤسسات الدستورية سلوكا يوميا وممارسة واعية، ويؤمن بأن حب الأرض الموريتانية الممتدة من ضفة النهر إلى شواطئ المحيط الأطلسي ومن ازويرات شمالا إلى النعمة شرقا يمثل عقيدة وطنية راسخة.
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للوطنية في بناء الدولة الموريتانية على مستويات متعددة ومترابطة، فعلى المستوى الأمني والاجتماعي تشير الدراسات إلى أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار المجتمعي المنشود إلا في ظل تشبع أفراد المجتمع بالروح الوطنية، حيث يصبح المواطن الموريتاني شريكا فاعلا في احترام النظام العام والتعاون البناء مع مؤسسات الدولة المكلفة بحفظ الأمن، انطلاقا من وعيه بأن أمن موريتانيا هو مسؤولية جماعية وتضامنية تشمل جميع المواطنين من العاصمة نواكشوط إلى أقصى نقاط الحدود الوطنية.
أما على المستوى الاقتصادي والتنموي فتعد الوطنية المحرك الأساسي والمحفز المركزي لعملية التنمية، فالمواطن المتشبع بقيم حب الوطن هو الذي يحرص على صيانة الممتلكات العامة ويؤدي واجباته الوظيفية بإخلاص وإتقان ويساهم بفعالية في بناء اقتصاد وطني قوي ومستدام وينبذ كافة مظاهر الفساد، لأنه يدرك بوعي عميق أن بناء موريتانيا هو استثمار مباشر في مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة.
وعلى المستوى السياسي فإن الوطنية الموريتانية تشكل صمام الأمان الحقيقي لصون الوحدة الوطنية وتعزيز التماسك الاجتماعي، فالمجتمع المتماسك وطنيا هو مجتمع عصي على الاختراق ويصعب تفكيكه، لأن الانتماء الجامع لموريتانيا يجعل جميع المواطنين سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات، ويعزز من قيم التضامن والتآزر تحت راية وطنية واحدة ونشيد وطني واحد.
وخلاصة القول إن التجربة التاريخية للدولة الموريتانية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الوطنية الصادقة كانت ولا تزال هي الأساس الصلب الذي حافظ على كيان الدولة وصمودها في وجه مختلف التحديات، وهي القاعدة التي تبنى عليها الأوطان وتزدهر بها المجتمعات، مما يستدعي ضرورة ترسيخها كقيمة محورية في المنظومة التربوية والثقافية لضمان مستقبل مزدهر وآمن لموريتانيا.