
ماذا لو غاب التحقيق؟ /د.مولاي اب أكيك
لولا التحقيق، لربما انطفأت ألسنة اللهب، وعادت الكهرباء، وطُويت صفحة الحريقين مع مرور الوقت، وكأن الأمر لا يعدو خللاً فنياً عابراً. وربما بقيت الأسئلة الجوهرية بلا أجوبة، ومواطن التقصير بلا كشف كافٍ، والمسؤوليات معلّقة بين الاحتمالات والتبريرات.
لكن فتح التحقيق غير مسار القضية; فلم يعد الحريقان مجرد حادثتين تسببتا في انقطاع الكهرباء، بل أصبحا موضوعاً لتقرير موثّق كشف ارتباط الحرائق بتوصيلات كهربائية جديدة، وأبرز أوجه قصور في السلامة والرقابة والإشراف الفني والاستجابة للطوارئ، فضلاً عن اختلالات مؤسسية وتعاقدية تستدعي المعالجة.
ولم يقتصر التقرير على تشخيص مكامن الخلل، بل قدّم توصيات عملية شملت مراجعة بعض العقود، وتعزيز الرقابة الفنية، وتطوير أنظمة الحماية والإطفاء، وتحسين إجراءات التشغيل والطوارئ، وإصلاح جوانب من إدارة الاستثمارات والقدرات التشغيلية للشركة.
وهكذا، لم تعد القضية مجرد أسئلة معلّقة حول ما حدث، بل أصبحت أمام الجهات المعنية نتائج موثّقة وتوصيات محددة تتيح الانتقال من كشف الخلل إلى معالجة أسبابه، ومن تشخيص أوجه القصور إلى ترتيب المسؤوليات على أساس ما تثبته الوقائع.
غير أن صدور التقرير ليس نهاية القضية، بل بداية مرحلة أكثر أهمية: مرحلة تنفيذ التوصيات واستكمال المساءلة والإصلاح. فالفارق كبير بين كشف الخلل وتصحيحه، وبين تشخيص أوجه القصور ومعالجتها على أرض الواقع.
ومن هنا، تتعزز الثقة في أن من أمر بفتح هذا التحقيق عازم على استكمال مساره حتى بلوغ غايته، وأن التقرير ليس محطة أخيرة، بل خطوة في طريق كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات وإصلاح الاختلالات. فحين تُبذل الجهود لكشف مواطن الخلل وتحديد أوجه القصور، فإن مقتضى المسؤولية أن تُستكمل بإجراءات عملية تضمن المعالجة والمساءلة.
فقيمة التحقيق ليست فقط فيما كشفه عن حريقي الأمس، بل فيما سيمنعه غداً؛ وليست في صدور التقرير وحده، بل في إنفاذ توصياته، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، وحماية المال العام.