
بناء الدولة و طموحات النخبة/محمد الأمين السالك
الدولة من أهم التنظيمات السياسية و الاجتماعية التي عرفها الإنسان منذ فترة، لأنها الإطار الذي تمارس فيه سلطته و تنظم العلاقات بين الأفراد و الجماعات من خلاله و فيه تحمى الحقوق و تصان الحريات، إلا أن بناء الدولة لا يقتصر على إنشاء المؤسسات الإدارية و السياسية، بل يستدعي ترسيخ الشرعية مما يضمن الاستقرار و تكريس المواطنة و ضمان قدرة المؤسسات على الاستجابة لمتطلبات المجتمع كضرورة يمليها الواقع لا مناص منها، و في هذا السياق يظهر دور النخبة بوصفها فئات تمتلك القدرة على النفوذ السياسي و الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي و تؤدي دورا مؤثرا في توجيه المجتمع و رسم السياسة العامة للوطن. و قد ارتبطت عملية بناء الدولة الموريتانية في مراحلها المختلفة بطموحات النخبة و مصالحها، حيث ساهمت في تأسيسها و تحديثها، مثلما ارتبطت بعض ممارساتها بالصراع على السلطة و النفوذ و الثروة و من هنا تتجلى لنا ثنائية طالما شغلت منظري الفكر السياسي ألا وهي ثنائية العلاقة بين الدولة و طموحات النخبة بوصفها علاقة معقدة تتداخل فيها المصالح العامة مع المصالح الخاصة.
فهل ساهمت طموحات النخبة الموريتانية في بناء الدولة؟
هذا السؤال يحيلنا إلى الدولة كمفهوم نسقي يستدعي البناء ثم طبيعة النخبة و اسهامها في بناء الدولة
فعملية البناء عملية معقدة تتطلب تأسيس و تطوير مؤسساتها المختلفة( السياسية ، و الإدارية، و القضائية ، و الأمنية ) بما يسمح للدولة ممارسة سلطتها، و تنظيم العلاقات بين المجتمع الواحد لتوفير الخدمات العامة و تحقيق التنمية بوصفها عملية لا تتوقف عند الاستقلال او عند وضع الدستور بل تمتد لتشمل الإصلاح المؤسساتي و تعزيز فاعليته و تطوير علاقته بالمواطنين لأن بناء الدولة يعتمد على إنشاء المؤسسات مع ترسيخ قدرتها على ممارسة سلطتها و تطبيق القانون، بينما النخبة هي جماعة تتمتع بمكانة متميزة داخل المجتمع و ذلك بفضل امتلاكها للسلطة و النفوذ و الثروة بالإضافة إلى القدرة على التأثير في الرأي العام ، لذا فإن عملية بناء الدولة تحتاج إلى دراسة طبيعة النخبة مصدر نفذها و الوسائل التي تستخدمها للتأثير و مدى ارتباط طموحاتها بالمصلحة العامة.
و مما لاشك فيه أن النخبة الموريتانية تؤدي ورا مهما في بناء الدولة باجهزتها المختلفة من خلال تطوير الإدارة العمومية و تسيير و تنظيم مرافقها و تطبيق القانون و تكوين الشبه مستمر للموظفين، و تظهر أهمية هذه الأدوار و فاعليتها من خلال الانتقال من أنماط الحكم التقليدي بالمفهوم الدوركايمي إلى المؤسسات الحديثة للدولة مما يتطلب إعادة تنظيم السلطة و توحيد القواعد القانونية وتطوير و توسيع المشاركة السياسية.
و النخبة الموريتانية بحكم واقعها داخل المجتمع تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تتخذ اشكالا متعددة تسعى إلى الوصول إلى مواقع صنع القرار مما يعزز النفوذ و يوسع المصالح الخاصة التي من ضمنها المحافظة على المكانة الاجتماعية و التأثير في توجهات المجتمع،
و الطموحات في حد ذاتها لا تمثل عائقا أمام بناء الدولة، فالتنافس في بين النخبة من المفترض أن يشجع على البرامج الهادفة و الإصلاحات التي يجب أن تكون شاملة، كما ينبغي أن يسهم في تجديد القيادة وتطوير السياسات العامة، متى جرى في إطار قانوني ومؤسسي يضمن تكافؤ الفرص واحترام القواعد الديمقراطية.
غير أن الإشكال يظهر عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مصالح فئة معينة أو عندما تصبح المناصب العامة وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو جماعية بدلًا من أداء الوظائف المقررة بإخلاص، ففي هذه الحالة تتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق لصالح المحسوبية والولاءات الضيقة و ينعدم مبدأ المساواة و يضعف، كما قد ينشأ عن التنافس غير المنظم حالة من الفوضى السياسية قد تؤدي إلى عدم الاستقرار، من جهة أخرى قد تنشأ خلافات بين النخبة التقليدية و النخبة الحديثة نتيجة اختلاف مصادر النفوذ وتباين التصورات المتعلقة بالتحديث وتوزيع السلطة لا يعني ذلك ان الصراع بينهما حتمي بل يمكن أن يتحول إلى عملية تفاوض وتكيف متبادل للمصالح الخاصة على حساب المصالح العامة.
إن تحقيق التوازن بين طموحات النخبة و متطلبات بناء الدولة يفرض إقامة نظام مؤسسي يسمح بالمنافسة على السلطة والنفوذ بطريقة مسؤولة و ودية دون السماح بتحويل المؤسسات العامة إلى ملكية خاصة و لا يمكن ذلك إلا من خلال ترسيخ سيادة القانون و تعزيز استقلال المؤسسات وفعاليتها و توسيع المشاركة السياسية والمجتمعية و محاربة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة من خلال الإنفاق العام و نشر كل المعلومات المتعلقة الموارد و تفعيل آلية المراقبة و تطبيق الإجراءات القانونية بصرامة عند ثبوت المخالفات….
و من هنا تتضح لنا أن العلاقة بين بناء الدولة وطموحات النخبة لها علاقة متداخلة لا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة المجتمع وموازين القوى السائدة فيه ومستوى تطور مؤسساته، فالنخبة تلعب دورا ذا أهمية في صنع القرار، علما أن هذه الأدوار قد تتراجع عندما تتغلب المصالح الخاصة على المصالح العامة، أو عند استخدام السلطة لتكريس النفوذ…..