
علم سليمان في القرآن.. طرق منح العلم في القرآن/ محمد فواز قسومة
إذا كان السؤال الأول عن العلم الذي يمنحه الله لعباده، وعن طبيعته وماهيته، فإن الخطوة التالية هي النظر في كيفية منح هذا العلم في القرآن الكريم. وبعد تتبع الآيات التي تناولت منح العلم، تتجلى صورتان أساسيتان لهذا المنح: الإيتاء والتعليم.
فالنص القرآني يبين اختلاف طبيعة كل منهما ووظيفته في منح المعرفة للإنسان؛ فالإيتاء منحة إلهية مباشرة، بينما التعليم عملية منهجية تتدرج في إيصال العلم وتثبيته.
الإيتاء يرتبط بالمنح الإلهي المباشر، بينما التعليم يقوم على التدرج في نقل المعرفة وفق سنن التعلم والتلقي
العلم عن طريق الإيتاء
يشير الإيتاء في القرآن الكريم إلى منحة إلهية يتلقى بها العبد العلم، فيفيض الله بها عليه، فتملأ نفسه بالمعرفة. ويركز هذا المفهوم على الجوهر الممنوح، لا على الوسائل التعليمية أو الخطوات التدريجية التي يحصل بها الإنسان على المعرفة.
علم سليمان في القرآن.. طبيعة المنحة الإلهية وحدود الزمان
ومن أوضح مواضع ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: 15]. فالإيتاء هنا منسوب إلى الله تعالى، والعلم هو محل الإيتاء.
ويظهر من استعمال الفعل “آتى” في القرآن أنه يتصل بمنح الشيء وإيصاله إلى الممنوح له، وليس مجرد خطوة من خطوات التعلم أو عطاء عام. ولذلك يتناول الكتاب الإيتاء باعتباره منحا لجوهر الشيء وأصوله، وما يرتبط بذلك من مفاتيح فهمه.
ومن هنا يختلف الإيتاء عن التعليم التدريجي؛ فالإيتاء يرتبط بالمنحة الإلهية المباشرة، بينما التعليم يقوم على نقل المعرفة وفق سنن التعلم والتلقي.
العلم عن طريق التعليم
أما التعليم، فيمثل مسلكا آخر في منح العلم. وهو عملية منهجية تتدرج في إيصال المعرفة وتثبيتها، بخلاف الإيتاء الذي يركز على المنحة نفسها.
ويظهر هذا المسلك في القرآن في مواضع متعددة؛ فقد علم الله آدم الأسماء كلها، وعلم داوود صنعة لبوس، وعلم سليمان منطق الطير، كما ورد التعليم في شأن عدد من الأنبياء، ومنهم عيسى ويوسف ويعقوب ومحمد، عليهم السلام.
وفي شأن سليمان عليه السلام، يقول تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: 16]. فتظهر هنا صيغة التعليم في قصة سليمان إلى جانب صيغة الإيتاء التي سبقتها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: 15].
وهذا الجمع بين التعبيرين في سياق قصة واحدة يفتح مجالا للتأمل في اختلاف المسلكين، دون أن يعني ذلك الفصل بين التعليم والمنحة الإلهية؛ فالتعليم نفسه من الله تعالى، كما في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31].
القرآن لا يحصر إيتاء العلم في الأنبياء، وإنما يمكن أن يؤتى العلم لأي شخص، سواء كان نبيا أو غير نبي
الإيتاء والتعليم
عند النظر في المسلكين، يتبين أن الإيتاء والتعليم يمثلان وجهين مختلفين لمنح العلم في القرآن الكريم. فالإيتاء يرتبط بالمنح الإلهي المباشر، بينما التعليم يقوم على التدرج في نقل المعرفة وفق سنن التعلم والتلقي.
وهذا الفرق لا يتعلق بمجرد اختلاف في الألفاظ، وإنما يظهر في طبيعة كل مسلك ووظيفته في منح المعرفة. ومن هنا يبدأ تتبع مواضع إيتاء العلم في القرآن، والنظر في الأشخاص الذين أوتوا العلم، وما تكشفه هذه المواضع من دلالات.
فالقرآن لا يحصر إيتاء العلم في الأنبياء، وإنما يمكن أن يؤتى العلم لأي شخص، سواء كان نبيا أو غير نبي.
يضعنا التفريق بين الإيتاء والتعليم أمام مدخل أساسي لفهم العلم في القرآن الكريم. فالعلم قد يأتي إيتاء، وقد يأتي تعليما، ولكل مسلك طبيعته وطريقته.
ومن هنا تبدأ الخطوة التالية في هذه الرحلة: تتبع مواضع إيتاء العلم في القرآن الكريم، والنظر في دلالاتها، ثم العودة إلى علم سليمان عليه السلام في ضوء ما يكشفه هذا الاستقراء.