من نفحات السابع والعشرين من رمضان / شفيع الشيخ محمد المحبوبي

وثيقةُ محبةٍ وجوارٍ وبركةٍ بين الشيخ محمد المحبوبي والشيخ سعد بوه

في الليالي المباركة التي تسمو فيها الأرواح، وتأنس فيها القلوب بذكر الله وذكر الصالحين، يطيب لنا أن نقف عند صفحة مضيئة من صفحات الوفاء الروحي والاجتماعي، وأن نستحضر وثيقةً نفيسة تختزن معاني المحبة، وحسن الجوار، وعلو المقام، وعمق الصلة بين أهل الفضل والعلم.

وتتمثل هذه الوثيقة في رسالة جليلة بعث بها الولي الكامل الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل إلى الولي الكامل الشيخ محمد بن المحبوبي، يستأذنه فيها في النزول قريبًا من القوم، وحفر بئر بأرض النمجاط، طلبًا للماء، ورغبة في حسن الجوار، وتطلعًا إلى أن ينتفع العيال والطلاب من كريم الطباع، وشريف الأخلاق، ونافع العلوم.

ولم تكن هذه الرسالة مجرد طلب في أمر معاشي، بل كانت شاهدًا بليغًا على مقام الشيخ محمد المحبوبي في النفوس، وعلى ما كان يربط بين الشيخين الكريمين من توقير صادق، ومودة خالصة، واحترام عميق، كما كانت دليلاً ناصعًا على متانة الروابط الأصيلة بين الأسرتين، تلك الروابط التي لم تقم على مجرد النسب أو الجوار، بل تأسست على العلم، والفضل، والدين، والوفاء.

ومن أبهى ما حفظته هذه الرسالة قول صاحبها في وصف غايته من القرب والجوار:

“ليقتبس العيال من طباعكم الحميدة، ويتعلموا من علومكم المفيدة”

وهي عبارة تختصر وحدها عالمًا كاملًا من المعاني؛ إذ تجعل من الجوار مدرسة، ومن القرب تربية، ومن صحبة الصالحين ميراثًا أخلاقيًا وعلميًا وروحيًا.

فالجيرة عند الأسلاف لم تكن مجاورة مكان فحسب، بل كانت مجاورة قيم، وتعلقًا بمواطن البركة، وطلبًا للتهذيب قبل طلب المنفعة.

وقد ورد في نص الرسالة ما يشهد أيضًا على ورع الشيخ سعد أبيه وشدة تحرزه في أمر الحقوق والأرض، إذ لم يكتف بطلب الإذن والاستئذان، بل صرح بما يدل على تمام تقواه وخوفه من الله، حين قال إنه يستعيذ بالله تعالى من أن يغتصب شبرًا من الأرض، خوفًا من الوعيد الشديد الوارد في ذلك.

وهذه اللفتة الجليلة ليست عبارة عابرة في سياق الرسالة، بل هي مفتاح من مفاتيح فهم شخصيته، ودليل على أن الرجل، مع مكانته العلمية والروحية، كان شديد التحري، لا يرضى أن يأخذ أرضًا بغير حق، ولا أن يمد يده إلى موضع لم يؤذن له فيه، بل جعل الورع أصلًا سابقًا على الطلب، وجعل صيانة الحقوق مقدمة على كل رغبة ومصلحة، وفي ذلك أسمى صورة من صور الأدب مع الله، ومع عباده، ومع حدود الحق.

وقد جاء في نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبيه الكريم.

وبعد، فسلام لا سماء تظله ولا أرض تقله، من شيخنا الشيخ سعد بوه، بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه، إلى الجماعة الكرام جماعة آل آشكتب، وخصوصًا آسكرة محمد بن المحبوب وحيّه. الود، وصيانة الإرث المعنوي الذي تتشرف به الأجيال.

ومما يدل أيضا على إجلال الشيخ السعد بوه للشيخ محمد المحبوبي أنه لم يلقه إلا وقدمه للصلاة.

ومن المصادفات أن وفاة الشيخين كانت في نفس العام ١٣٣٥ هجرية، وقد أرخص لوفاتهما أخ الشيخ محمد العلامة الشيخ المختار بن المحبوبي في نظمه حوادث السنين:

ومات في هل من

الأعيان سعد أبيه قرة الزمان

من عم الأرض مشرقا ومغربا

علما وحلما وتقي وأدبا

ونشر الأوراد والسودان

ذلوا له وخضعوا ودانوا

مات به محمد بن الوالد

ولا يليق الذكر بالمحامد
والمقصود بمحمد هنا الشيخ محمد بن المحبوبي.

نسأل الله تعالى في هذه الليلة المباركة أن يرضى عن الشيخين الجليلين الشيخ محمد المحبوبي والشيخ سعد بوه، وأن ينفعنا ببركتهما، وأن يجزيهما عن العلم والصلاح والتربية خير الجزاء، وأن يديم بين الأسرتين سبل المودة والوفاء، وأن يجعل هذا الأثر المبارك نورًا للأبناء والأحفاد، وذخرًا للذاكرة، وعنوانًا دائمًا على أصالة المحبة وكرم الجوار.

رضي الله عنهما وأرضاهما، ونفعنا ببركتهما، وجمعنا بهما في الفردوس الأعلى من الجنة.

زر الذهاب إلى الأعلى