” لحوم العلماء مسمومة، وسنة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة”/محمد فاضل النموه
بهذه الكلمات الخالدة لخص الحافظ ابن عساكر أخطر الآفات الفكرية والسلوكية التي يمكن أن تصاب بها المجتمعات، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وحملة مشاعل الهداية، وصمامات الأمان التي تحمي الأمة من التيه والجهالة،” بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية أو السياسية ” فالوقوع في أعراضهم ليس مجرد زلة لسان أو غيبة عابرة، بل هو معول هدم يضرب في أركان الدين والمجتمع معا، ولقد رفع الله سبحانه وتعالى شأن العلم وأهله، وجعل طاعتهم وتوقيرهم جزءا من تعظيم الشعائر، فالعلماء ليسوا يمثلون ذواتهم فحسب، بل هم الثقاة الذين يحملون الشريعة وينقلونها للأجيال ” يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ” .
فإن الطعن في ذات العالم أو النيل من عرضه يمتد أثره تلقائيا ليصيب ما يحمله من علم، وإذا اهتزت ثقة الناس بالناقل، سقطت بالتبعية ثقتهم بالمنقول، ومن مخاطر تتبع عثرات أهل العلم أن الخوض في أعراضهم تترتب عليه مفاسد دينية واجتماعية مهلكةمنها :
أن من أطلق لسانه في العلماء بالانتقاص والثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب والذلة في الدنيا.
يقول ابن المبارك رحمه الله: ” من استخف بالعلماء ذهبت آخرته” .
ويقول الإمام الذهبي رحمه الله: ” سنة الله في كل من ازدرى العلماء بقي حقيراً” .
ويقول الإمام احمد رضي الله عنه: ” لحوم العلماء مسمومة من شمها مرض ومن أكلها مات”.
ومن هذه المخاطر التي تحدق بالمجتمعات اليوم:
تجهيل المجتمع ونشر الفوضى، فعندما يسقط العوام مكانة علمائهم، يحجم الناس عن الاستفادة من فتاويهم وتوجيهاتهم، مما يفتح الباب واسعا أمام أنصاف المتعلمين والجهلة ليتصدروا الفتوى، فيضلوا ويضلوا، فواجب العلماء وطلبة العلم اليوم هو بيان الحق، والرد عن اعراض العلماء، وترك نشر رذائل الكلام من شتم وقذف فهي نوع من الإعانة، وربما يريد البعض أن يخرج مخرج الغالب بالصمت والانزواء طلبا للسلامة و الصمت هنا يدفع إلى التطاول والطعن المستمر أكثر من غيره …مما يخلي الساحة لتيارات الفكر المنحرف والمخططات الهدامة، فإسقاط القدوة خطر فيحتاج الشباب والمجتمع دائما إلى نماذج حية تقتدي بها في الورع والعمل؛ وإسقاط هذه الرموز يترك الساحة خالية للقدوات الزائفة.
ملحوظة :
ننبه أن المنهج الوسطي للإسلام لا يعني تقديس العلماء عن الخطأ، بل نحفظ كرامتهم وهيبتهم، إذا أخطأ العالم في مسألة اجتهادية، فإنه يعذر بل ويؤجر على اجتهاده ” إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر”. ولا يجوز أن تهدر مكانته أو تنسى فضائله لمجرد هفوة والنصيحة لهم تكون بالأدب والرفق والستر، وليس بالتشهير واللمز في المجالس أو على منصات التواصل الاجتماعي، فصيانة أعراض العلماء هي صيانة للدين نفسه. وعلى المرء أن يشغل نفسه بإصلاح عيوبه وتطهير قلبه، بدلا من تتبع عثرات من قضوا أعمارهم في خدمة الوحيين وسهروا لينيروا للأمة طريقها، فالكلمة مسؤولة، والحصاد يوم القيامة عسير، والسلامة لا يعدلها شيء.
محمد فاضل النموه