
المأمورية الثالثة فخ قاتل/ محمد المختار ولد محمد فال
“احتفظ بأكبر عدد من المنافقين إلى جوارك… ولكن إياك أن تتخذ منهم خليلاً أو مشيراً، لأنهم سيصبحون أكبر خطر يتهددك، وسيتحولون إلى ألد أعدائك إن تهاوى ملكك أو ظهر منافس قوي” لك. ميكيافيلي
********
في ظل صراع دولي محتدم وتحول عالمي في موازين القوى، وتبدل متسارع لمراكز النفوذ والتأثير.. وضمن محيط إقليمي مشتعل، تقف سفينة موريتانيا اليوم أمام مفترق طرق، يفرض على نخبتها التعقل وعدم المجازفة في الخيارات والتوجهات.
فبلدنا اليوم منهك ، بفعل سوء الحكامة وتحكم لوبيات الفساد، فهو بلا ثوابت توجه بوصلته، وبلا ربابنة ماهرين، يجنبونه مكامن الخطر وأخطاء وخطايا الماضي القريب والبعيد، بلد كل خياراته الملحة مؤجلة، والكل فيه ظالم ومظلوم في نفس الوقت، لا ترى فيه ما يعجبك ولا تسمع في خطابات ساسته ما يريحك.
نخبه تتصارع كالديكة.. ضجيجها بلا مفعول، وخياراتها بلا تأثير، لحمته الوطنية ممزقة ونتوءاته متوثبة، الموازين فيه مقلوبة والمسالك معوجة، جميع خياراته الحالية والسابقة لحظية المدى ذاتية الأهداف، لا ترى فيه إلا ما تنكر ولا تسمع من بعض “ساسته” سوى ضجيج الغوغائيين، الذين يرى بعضهم في الإساءة والتشنج نهجا سياسيا مفضلا، وآخرين نقيض له مستسلمين لأحلام اليقظة، يحولون الأمنيات إلى واقع ويرون في التحديات الوجودية خيالات وأوهام.
بلد يتربص به المتربصون، السابقون واللاحقون، الذين فتحت شهيتهم خريطة الاكتشافات المعدنية والطاقوية فيه، والمغرية كما وكيفا، وكذلك الإمكانات الزراعية والرعوية الواعدة.. أغرتهم هشاشة لحمته الوطنية وضعف ديمغرافيته وتشتت تجمعاته السكانية، تحاصره أزمات التنمية، وتداعيات الحكامة السيئة، وهشاشة البنى التحتية.. الشيء الذي حول بلدنا إلى جهة طاردة للكفاءات،.. شبابنا تتقاذفه المخاطر عبر العالم، بحثا عن فرص لحياة كريمة، حرم منها في وطنه، ووسائل عيش بخرها الفساد في “دولته”، تتحكم عصابات الفساد والنفوذ في مفاصل ومقدرات هذه الدولة المنكوبة، فحولت مرافق الدولة إلى ساحة يستأثر بها الجهلة والمنحرفون، وغيبت الكفاءات الوطنية، بفعل الزبونية السياسية وتبني خيار الولاء على حساب الكفاءة، فأصبح الوطن دولة بين النافذين وغنيمة لأصحب الشأن، لا حق لمواطن فيه، إلا بقدر ما يتكرم به أهل الحظوة وأصحاب النفوذ.
إننا في بلد ذاكرته مثقوبة ونخبته في الغالب مدجنة، فشل في خلق تنمية حقيقية، أو حكامة رشيدة، شعبه تنهشه الفاقة والتهميش، غالبيته تشعر بالدونية والتمزق الداخلي، الناتج عن التناقض بين القول والفعل وبين الواقع والطموح وبين نزعة الخير فيه ومرارة الإقصاء والتهميش.
واحد، يتطلب تنمية، تخدم الساكنة والبلد، دون تمييز أو إقصاء، وجعل كل بقعة لأهلها “شام” على مستوى الخدمات والفرص- حسب المتاح.
* تحويل المرفق العام إلى حاضن للجميع، والموظف فيه خادما وليس أميرا أو محتكرا- كما هو الحال الآن- وعدم انجرار السلطة إلى الفضاءات التي يسعى أصحاب الأجندات الخاصة الفئوية والعرقية والقبلية إلى جرها إليها وأن تكون الدولة هي السيد لا المسود.
* خلق تحول يصبح فيه القوي والضعيف، خاضعان لسيف القانون، توفر فيه صحة حقيقية وتعليما مناسبا وأمنا يشمل الجميع وعدالة يأمن في ظلها المواطن من الظلم وسلب الحقوق.
* وضع حد لتهميش الشباب وتدوير المفسدين واستنساخ تجاربنا المدمرة، والبحث عن بديل، يجعل من الوطن حضنا دافئا وسندا يعول عليه في تلبية الحاجات، ودرعا قويا يقي الوطن والمواطن خلال الأزمات والملمات.
* الإعتراف بحقيقة مفادها أن الاستمرار في النهج والممارسات السياسية الحالية، هو ضرب من المستحيل، فلم يعد التسويف ولا التزوير ولا التسكين والمغالطة، وتهميش الغالبية وتغليب الولاء على الكفاءة، واستئثار القلة بريع وإمكاناه الدولة، نهجا مستساغا ولا أسلوبا متقبلا.
***********
أمام واقع كهذا أيهما أكثر إلحاحا وأولوية؟ هل هي مداواة جراح الماضي وتحديات الحاضر، وخلق مناخ، يحس فيه المواطن في أي جهة وأي مستوى بأنه في بلد يوفر له الكرامة والحقوق؟ وهل من الحصافة أن نترك بلدنا نهبا للصوص وشبكات الفساد، تنخره كالسوس، وننشغل عنه بتمجيد موظف لدى الشعب، هو: الرئيس نستجديه أن يبقى في السلطة، لا لكفاءة متميزة برهن عليها، ولا لحاجة ماسة تفرض بقاءه، وإنما تملقا ورغبة في الحصول على فتات غير مضمون، حتى ولو كانت النتيجة خراب وطن واندثار دولة، هي “خيمتنا الكبيرة”، التي بها نستظل وفيها نحتمي من عاديات الزمان وطيش الطائشين، ننتظر منها توفير الأمن والتشغيل والصحة والتعليم وحفظ الكرامة على الأقل، اتجاه الآخرين، الذين سيقلبون لنا ظهر المجن إذا اضطربت أحوال دولتنا وغاب فيها الاستقرار لا قدر الله.. فمن لم يدرك مآلات نهجنا السابق والحالي، فلينظر إلى ما تكابده بلدان في المنطقة، عصفت بهم الحروب والاضطرابات والأزمات لنفس الأسباب السالفة وبفعل تجاهل المعضلات الوجودية والانشغال عنها بالقشور الثانوية.
أما نحن في موريتانيا فقد عجزنا تاريخيا عن بناء دولة في ربوع بلدنا وتجرعنا جميعا مرارات السيبة، لذا يجب أن يكون احتضاننا لدولتنا أشد وأقوى، لأنها إذا هزلت أو تلاشت – لا سمح الله- قد لا نتمكن مستقبلا من إعادة بنائها.. وعندها يبقى أفضل الخيارات المحتملة لبلدنا، هي: أن يتكالب عليه جوارنا ويسلبنا كل شيء ونعيش في ظله مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، نعيش الدونية ونتجرع مرارة خسارة الأوطان.. وعندها سنفقد لا قدر الله كل شيء، ولن ينقذنا حينها تصفيق المصفقين ولا تزلف المتزلفين.
اللهم احفظ بلدنا من نفاق المنافقين وفساد الفاسدين.
محمد المختار ولد محمد فال