
أزمة النخبة في ولاتة: حين يتحول الخلاف من التنافس البناء إلي تهديد للهوية الجامعة/محمد جدو اباهن باريك
تعد أزمة النخبة في ولاتة من القضايا التي تستحق الدراسة والتمحيص والتمعن إذ تسلط الضوء على جوانب خطيرة من مسارات التحول فهي تتجاوز التنافس السياسي والخلافات الشخصية الضيقة لتكشف عن تحولات جذرية عميقة أصابت البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع التقليدي.
لقد ظل المجتمع الولاتي عبر تاريخه الطويل يمثل نموذجا حياً للإخاء والتعايش والتضامن، تجسيداً لما يمكن أن نطلق عليه “الهوية الولاتية الجامعة” والاعتزاز بالانتماء تلك الهوية التي كانت صمام امان وسداً منيعا في وجه مختلف أنواع التعصب والتحيز للفرد أو القبيلة أو الفئة أو الطائفة أو الطريقة… واستطاع هذا المجتمع رغم تنوع مكوناته وانتماءاتهم أن يحافظ على قدر كبير من الانسجام والتماسك وأن يلتف حول القضايا الكبرى التي تضمن الوحدة وتعزز المصير المشترك.
لم تكن الظروف التي واجهتها المدينة عبر ماضيها السحيق بسهلة، فقد تعرضت لموجات متعاقبة من الجفاف والتصحر وعانت من ويلات الأوبئة الفتاكة والمجاعات المهلكة، وواجهت مختلف أنواع الغزو والاغارات الفردية والجماعية والاضطرابات التي هددت أمنها وزعزعت سكينتها واستقرارها… غير أن تلك المحن على قسوتها لم تنجح في تفكيك نسيجها الاجتماعي بل كانت في كثير من الأحيان سبباً في تعزيز روح التعاضد والتكافل بين سكانها.
وظل الولاتيون يفخرون بماضيهم المشرق وأمجادهم المنقوشة بماء الذهب المحفوظ في ذاكرة تأبى النسيان بما راكموا من معارف وعلوم، وما عرفوا من أصالة في الملبس والمأكل والعمران، ورقي في السلوك وحسن المعاشرة، واحترام لقيم النبل والشهامة والفضيلة والتسامح، ورغم ما مرت بها المدينة من أوضاع صعبة عادة ما تمنع الإنسان من التقدم والعطاء عرفت ولاتة بكونها إحدى أهم الحواضر الصحراوية الكبرى التي اشعت علما وثقافة وأخلاقا وأدبا لدى سكان المنطقة وبلاد التكرور عامة.
ويلاحظ للأحداث الراهنة أن المدينة تشهد تحولا خطيرا فعلى الرغم مما عرفتها موريتانيا من تطور جزئي في مؤسسات الدولة، وتحسن نسبي في مجالات التعليم والصحة والانفتاح السياسي تعاني المدينة جملة من التحديات والأزمات المتشابكة، فإلي جانب ضعف الخدمات الأساسية وتعثر المشاريع التنموية، وتدهور بعض البني التحتية برزت مظاهر مقلق تخدش الحياء والذوق العام تتمثل في انتشار خطاب الكراهية والتنابز بالألقاب واستدعاء أنماط العصبيات الضيقة وطبائع البداوة التي لم تكن من سمات المجتمع الولاتي.
وإذا كان من السهل اختزال هذه الإشكالات في خلافات بين أشخاص أو صراعات ظرفية مرتبطة بالمنافسة السياسية فإن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن الأمر أعمق من ذلك بكثير إذ ما تعانيه ولاتة اليوم هو في المقام الأول أزمة نخبة وليست أزمة أشخاص، إنها أزمة انتقال من مجتمع تقليدي كانت فيه المرجعيات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية واضحة ومتكاملة، إلي مجتمع حديث لم تستطع نخبه الجديدة أن تؤسس بعد منظومة قيمية ومؤسسية بديلة قادرة على استيعاب التحولات المتسارعة وإدارتها بصورة رشيدة.
غير أن التشخيص مهما بدا قاسيا فلا ينبغي أن يقود إلي اليأس أو الاستسلام، فولاتة ما تزال تمتلك رصيداً رمزيا وعلميا كبيراً، وتختزن في ذاكرتها الحضارية عناصر قوة قادرة على الاسهام في تجاوز الأزمة الراهنة.
كما أن أبناءها داخل الوطن وخارجه يملكون من الكفاءات والخبرات ما يؤهلهم للمشاركة في صياغة مشروع تنموي وثقافي جديد.
ومن هنا فإن الحاجة أصبحت ملحة إلي إعادة بناء نخبة ولاتية جديدة، نخبة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتجمع بين الأصالة والتخصص والكفاءة، وتؤمن بالحوار والتسامح، وتجعل من المصلحة العامة مرجعيتها الأولى، نخبة تعيد الاعتبار لقيم المدينة التاريخية وتستثمر إرثها العلمي والثقافي في خدمة حاضرها ومستقبلها حتى تستعيد ولاتة بعضا من دورها التاريخي وتواكب التطورات الراهنة وتستشرف المستقبل.
بقلم الأستاذ: محمد جدو اباهن باريك