وقفة مع الذات/محمد ولد الطيب

بصراحة فإننا نحن معاشر المدرسين – أساتذة ومعلمين إلا من رحم ربي – من يمارس الغش في المسابقات ومن يسهله، وبهذا طمع في استغلالنا وكلاء الطلاب وامتهنتنا الإدارات في تحقيق مآربها الشخصية، واستغل الفاسدون طيبتنا وسطحيتنا فالتقت إرادات أصحاب المصالح الضيقة مع جهلنا لقيمتنا فامتطونا لتحقيق غاياتهم وكنا الضحية، وهو ما عزز النظرة السلبية السائدة عنا لدى الناس وأفقدنا الاحترام المفترض فينا، ولا لوم عليهم في هذا فنحن من أنزلنا أنفسنا تلك المنزلة الواطئة وقد كان ينبغي أن نكون فوق الشبهات قدوات في الإباء ورفض الضيم منارات علم ومعرفة، لكن الابتذال والخور وجهل مقام المدرس الذي ينبغي أن نتمثله ونجسده في واقعنا الحياتي هو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه، ورحم الله الجرجاني:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان، ودنسو * محياه بالأطماع حتى تجهما.

إن ثلاثيا خطيرا ( بعض الإدارات – بعض الوكلاء – الفهم المشوش ) تحامى المدرس واستغله أبشع استغلال وتمندل به:

الأول: الخضوع لضعوط وابتزاز بعض الإدارات التي تريد أن تسجل لنفسها نسبة نجاح لم يسعها الحصول عليها بالوسائل العادية فلجأت لإقناع مديرى المدارس والمؤسسات التعليمية بأن هناك “توجها للوزارة”! بضرورة رفع نسب النجاح فتلقاه المديرون ورؤساء المراكز بالقبول والتسليم وأخذه المراقبون عنهم كأنه وحي منزل يؤدونه تعبدا واحتسابا، ثم عمدت هذه الإدارات إلى إحاطة رؤساء مراكز المسابقات بشلة تمرست على الغش ومردت عليه إحاطة السوار بالمعصم فلم يستطيعوا منهم انفكاكا فاستسلموا لإرادتهم وقاموا بإنجاز المهمة غير النبيلة طبعا.

الثاني: الاستجابة لإلحاح وإغراء بعض أولياء التلاميذ ممن لم يبذلوا الجهد المطلوب في سبيل الرفع من مستويات أبنائهم أو السهر على دراستهم، وأعمتهم عاطفة الأبوة عن تصور مصلحة أبنائهم الحقيقية فسعوا إلى الضعط على المراقبين من أجل التساوق مع رغباتهم وتسريب الأسئلة وإدخال الأجوبة عن طريق المراقبين بل وحل الامتحانات بشكل فاضح على السبورات، وأحيانا القيام بالبحث عن فلان من الطلاب داخل قاعة الامتحان والنداء باسمه من أجل تسليمه الإجابة على مرأى ومسمع من زملائه المتسابقين معه! ثم بعدها نطمع أن يحترمنا الطلاب أو الوكلاء؟ هيهات.

الثالث: وربما هو الأخطر: الفهم السقيم والتصور الخاطئ عند بعضنا حيث يبرر غشه وخيانته لأمانته بمنطق واه ومبررات لا تستقيم، منها: – أن كل شيء في هذا البلد فاسد، وأن من يتسنم هرم المسؤوليات ومن يتموقع في مفاصل الدولة ومراكزها الحساسة أناس في الغالب نالوا ذالك عن طريق الغش والرشوة والمحسوبية والزبونية.. ولم ينالوه عن جدارة منهم ولا كفاءة، فلم نحرم أبناء الفقراء من النجاح! على حد زعمهم؟ – ومنها أنه كما يغش أهل الولايات لصالح أبنائهم المتسابقين ينبغي أن نساعد نحن أبناء ولايتنا في الغش، متناسين أنه لا ينبغي أن نغتر بكثرة الهالكين.

ورغم هذا وذاك تبقى مجموعة من المدرسين لم تستسلم لضعوط وابتزازت الإدارات ولا أولياء التلاميذ ولم يكن فهمهم مشوشا ولا مغشوشا كما عند غيرهم، غير أنهم في الغالب ما بين مفرط أو مفرط، متشدد أو متهاون، بين من يجعل قاعة الامتحان ميدانا لمعركة متوهمة يتصور الطلاب أحد أطرافها فتجده لا يهدأ له بال صوته مرتفع جبينه مقطب يطلق العبارات النابية يحاكم النيات يفتش الجيوب يهدد ويتوعد..، وبين حاضر غائب هدفه وهمه أن يسحب أوراق الإجابة مع نهاية الوقت، ولا تعني له سكينة الامتحان وتهيئة الظروف الملائمة للمتسابقين وإضفاء جو من الراحة النفسة للجادين – حتى لا يظلمهم المتطفلون وأصحاب “جرب حظك” – شيئا، فهو شاهد زور ومضيع للأمانة.

إن التوسط وفهم مهمة المراقب واستشعار المسؤولية مع الشفقة على الطلاب وتفهم نفسياتهم وضعط اللحظة التي يعيشونها كلها أمور ضرورية لأن تجعل منك مراقبا ناجحا لا غاشا ولا خصما للطلاب وأوليائهم، ولا خائنا لأمانتك وما حملت من مسؤولية.

فالله الله في أنفسنا وفي أبنائنا الطلبة وفي مجتمعنا ومستقبل أجيالنا.

إن رجوع عاصمة ولايتنا من جديد كوجهة ل: “سياحة باكالوريا” هذه السنة بعد أن انحسرت الظاهرة ليؤشر بوضوح على ما حصل في السنوات الثلاثة الأخيرة من تساهل مع الغش إن لم نقل من تشجيع له، فقد رأينا بعد ما فرض الوزير السابق ماء العينين نزاهة المسابقات وأظهر الصرامة مع أهل الغش كيف انعكس ذلك على اهتمام طلابنا وجدهم واجتهادهم في التحصيل وتحسنت مستوياتهم بشكل مبهر، غير أن ذاك الأمل سرعان ما تبدد وعادت حليمة لعادتها القديمة ورجعنا للمربع الأول، والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى