
التجربة الموريتانية في مواجهة الجماعات السلفية المسلّحة من الردع الأمني إلى الحوار وإعادة الإدماج/إخليهن محمد الأمين
مقدمة
شكَّلت الجماعات الجهادية خلال العقود الماضية، تحديًا أمنيًّا وفكريًّا معقدًا أمام الدول والمجتمعات على السواء. ورغم أن هذه الجماعات تنطلق بصورة إجمالية من المرجعية السلفية، بمفهومها الضيق، إلا أنها تختلف بشكل جذري عن السلفية التقليدية في عدد من المواقف، وعلى رأسها الموقف من السلطة السياسية. ففي حين تميل السلفية التقليدية إلى تأكيد شرعية الحاكم ووجوب طاعته بصورة مبالغ فيها، تنطلق التنظيمات الجهادية المسلحة من رؤية صدامية مع الأنظمة السياسية القائمة، وتَعُدُّها فاقدة للشرعية.
تستند الأطروحة الجهادية إلى معطيين رئيسيين: أحدهما فكري، يتمثل في تأويلات خاصة لمفاهيم الإيمان والكفر، والولاء والبراء، والجهاد، والحاكمية، وما يتصل بهذه المفاهيم من قضايا شرعية وفكرية. وثانيهما واقعي، يرتبط بما تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية من أزمات سياسية واجتماعية، رسَّختها سياسة الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، وما صاحب ذلك من دعمٍ غربي للأنظمة السياسية الحاكمة، التي يتهمها الجهاديون بالاستبداد والتبعية للغرب والخروج عن أحكام الشريعة، والتفريط في مصالح الأمة.
وقد اعتمد كثير من دول العالم، لفترة طويلة، على المقاربة الأمنية أداة رئيسية في مواجهة الجماعات المسلحة، إلا أن هذه المقاربة، وإن نجحت في إضعاف الجماعات المسلحة في بعض السياقات، لم تُنْهِ خطرها ولم تَقْضِ عليها بشكل كامل، بل أفرزت نسخًا لاحقة منها أكثر عنفًا وراديكالية؛ ما جعل بعض الدول العربية تلجأ إلى مقاربة الحوار الفكري. وقد شهدت عدة دول عربية تجارب في هذا المجال، كان من آخرها تجربة الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا لجمعها بين الحسم الأمني والحوار الفكري والإدماج الاجتماعي، وما نتج عن ذلك من مراجعات فكرية لعدد من الموقوفين على خلفية قضايا التطرف والأعمال المسلحة؛ الأمر الذي جعلها تُطرح بوصفها إحدى التجارب العربية اللافتة في هذا المجال، خصوصًا إذا استحضرنا سياقها الإقليمي المضطرب أمنيًّا.
تسعى هذه الدراسة، من خلال منهج وصفي تحليلي، مع الاستفادة من المنهج المقارن، إلى تتبع مسار هذه التجربة وسياقاتها، وتحليل العوامل التي أسهمت في نجاحها النسبي، مع بيان أبرز نتائجها والتحديات التي تواجهها. وتهدف إلى الإجابة على السؤال المركزي في هذا الموضوع، وهو: ما الذي منح التجربة الموريتانية خصوصيتها مقارنة بغيرها من تجارب الحوار مع الجماعات المسلحة في العالم العربي؟
السلفية الجهادية في موريتانيا وسياق المواجهة مع الدولة
تأثرت موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي، وعلاقاتها المتشابكة بدول الساحل والصحراء، بالتحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. وأسهمت عوامل عديدة، من أبرزها تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في الجزائر ومالي، في انجذاب عدد من الشباب الموريتاني إلى الطرح الجهادي، والتحاق بعضهم بالجماعات المسلحة التي تنشط في منطقة الساحل؛ كان من أبرزهم أفراد المجموعة المعروفة إعلاميًّا بـ”الشباب السبعة”(1) الذين تلقوا تدريبات عسكرية في الجزائر، وقد اعتُقل ستة منهم سنة 2005، بينما تمكَّن السابع من مغادرة البلاد. وبعد خروجهم من السجن، عاد بعضهم إلى النشاط “الجهادي المسلح”، ووصل بعضهم إلى مواقع قيادية داخل هياكل الجماعات المسلحة، مثل حماد ولد محمد خيري، الذي قُتل عام 2017 في عملية عسكرية(2). أما البعض الآخر، فقد عاد إلى موريتانيا للمشاركة في أنشطة مرتبطة بالجماعات المسلحة، مثل الخديم ولد السمان، فاعتقلهم الأمن الموريتاني مجددًا مع مجموعة أخرى تنشط في نفس الجماعات(3).
لا تكفي التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية وحدها لتفسير نشأة ظاهرة السلفية الجهادية في موريتانيا. فقبل انخراط بعض الشباب الموريتاني في نشاط الجماعات المسلحة، كانت الأرضية الفكرية للتيار الجهادي قد بدأت تتشكل منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، مع فتح فرع للمعهد السعودي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود في نواكشوط، عام 1979، وظهور شخصيات دعوية وعلمية تتبنى الطرح السلفي، وتنشط في نشره داخل البلاد. تزامن ذلك مع توجه بعض الشباب الموريتاني إلى أفغانستان، خلال فترة الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي، وعودة بعضهم لاحقًا حاملين أفكارًا جهادية، كان لها تأثير في وسط السلفية المحلية(4).
وغذَّت التحولات الدولية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وصعود الخطاب الجهادي العالمي، الذي انتشر على نطاق واسع عبر الأشرطة المسجلة ومواقع الإنترنت، الفكر الجهادي في موريتانيا. وفي تلك الفترة كانت مقاهي الإنترنت القناة الرئيسية لتداول خطابات قادة الجماعات الجهادية، ومتابعة تطورات الصراع في أفغانستان والعراق، وغيرهما من مناطق التوتر.
ولم يلبث هذا التأثر الفكري طويلًا حتى تحول إلى عمل ميداني. فكان أول استهداف مباشر لموريتانيا من قبل الجماعات المسلحة هجوم لمغيطي عام 2005 في عهد الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، الذي قُتل فيه 15 عسكريا موريتانيا(5). بعد ذلك، تصاعدت موجة الاستهدافات، فشهدت البلاد سلسلة من العمليات العسكرية، شملت هجمات على مواقع عسكرية واغتيالات وتفجيرات واختطاف أجانب ومواجهات داخل نواكشوط، كان من أبرزها عملية الغلاوية في 2007(6)، ومقتل السياح الفرنسيين قرب مدينة ألاك في نفس السنة(7)، والاستيلاء على سيارة تابعة لأحد البنوك، وأخذ 56 مليون أوقية منها (حوالي 300 ألف دولار)(8). وفي عام 2008، شهدت البلاد عملية تورين، التي راح ضحيتها 12 جنديًّا موريتانيًّا(9)، إضافة إلى مواجهة تفرغ زينة، التي مثَّلت أول مواجهة مباشرة داخل العاصمة، نواكشوط، بين خلايا الجماعات المسلحة والأجهزة الأمنية الموريتانية، وقُتل فيها ضابط أمن موريتاني(10).
ومع وصول الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، إلى السُّلطة، عام 2008، انتقلت مقاربة موريتانيا في مواجهة الجماعات المسلحة من الدفاع إلى الهجوم. فقد تبنَّى النظام الموريتاني إستراتيجية الردع والهجوم الاستباقي، ونقل المواجهة من الأراضي الموريتانية إلى معاقل الجماعات المسلحة في مالي. وهو ما عَدَّه الوزير الأول، آنذاك، تجاوزًا لمفهوم “الدفاع التقليدي، الذي يتلقى الضربات في مواقع ثابتة، إلى مفهوم الدفاع المتحرك، الذي يضع في الاعتبار احتمال المبادأة والملاحقة”(11). في هذا السياق، نفَّذ الجيش الموريتاني عمليات عسكرية عديدة داخل مالي، استهدفت مواقع لتنظيم القاعدة في بلاد الغرب الإسلامي(12). وبالتوازي مع ذلك، نفَّذ الأمن الموريتاني عمليات واسعة لتفكيك شبكات الجماعات المسلحة أسفرت -حسب المفوض الإقليمي، محمد الأمين ولد أحمد- عن تفكيك تنظيم “أنصار الله المرابطون في بلاد شنقيط”، في أبريل/نيسان 2008، واعتقال ما يربو على 500 شخص، تمت إحالة أكثر من 200 منهم إلى السجن(13).
لكن هذه المقاربة لم تؤدِّ إلى توقف العمليات المسلحة. فقد شهدت البلاد خلال هذه الفترة عمليات عديدة ومتنوعة، كان من أبرزها، في 2009، مقتل الأميركي “كريستوف لكيت” في نواكشوط(14)، والتفجير الانتحاري قرب السفارة الفرنسية بنواكشوط(15)، واختطاف السياح الإسبان على طريق نواكشوط نواذيبو(16). وفي 2010، شهدت البلاد هجومًا انتحاريًّا على مقر قيادة المنطقة العسكرية الخامسة في النعمة(17). يضاف إليها محاولة إدخال سيارة مفخخة إلى نواكشوط، في 2011، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من رصدها، وتفجيرها خارج المناطق المأهولة(18).
يتضح من هذا، أن المقاربة الأمنية والعسكرية لم تكن كافية لمعالجة ظاهرة معقدة، تتداخل فيها الأبعاد الفكرية والاجتماعية والأمنية. لذلك، قررت أجهزة الدولة الموريتانية استكمال المقاربة الأمنية بأدوات أخرى أكثر فاعلية، كان أبرزها الحوار الفكري مع المعتقلين السلفيين، وفتح نافذة للتفاهم مع الجماعات المسلحة في معاقلها بمالي.
من المواجهة إلى المتاركة
في هذا السياق، فتحت الدولة الموريتانية قنوات اتصال مع بعض قيادات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، انتهت إلى تفاهمات غير معلنة بين الطرفين. وبموجب تلك التفاهمات، التزمت الجماعات المسلحة بالامتناع عن التوغل داخل الأراضي الموريتانية، وترك تجنيد الشباب الموريتاني، مقابل توقف موريتانيا عن ملاحقتها خارج حدودها(19). وقد أسهمت تلك التفاهمات، إلى جانب عوامل أخرى داخلية وإقليمية ودولية، في تراجع النشاط المسلح داخل موريتانيا منذ سنة 2011، رغم استمرار الاضطرابات الأمنية في دول الجوار، لاسيما مالي.
بعد ذلك، شهدت المقاربة الموريتانية تحولًا بارزًا تمثل في الانتقال من التعامل مع الظاهرة الجهادية بوصفها تهديدًا أمنيًّا فقط، إلى التعامل معها بوصفها ظاهرة أكثر تعقيدا، لها أبعاد فكرية واجتماعية. من هنا، ولدت فكرة الحوار مع السلفيين داخل السجون الموريتانية، التي كان الهدف منها إقناع الشباب السلفي بمراجعة قناعاتهم المتعلقة بالتكفير والجهاد والعلاقة بالدولة والمجتمع. ومع وصول الرئيس، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الحكم، في 2019، حافظت موريتانيا على المكاسب الأمنية التي تحققت خلال العقد السابق، وركزت على تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، مع الإبقاء على الجاهزية الأمنية والعسكرية. وقد انعكس هذا التوجه على مجمل السياسات العامة، سواء في المجال السياسي أو في المجال الأمني؛ حيث غلبت مقاربات الاحتواء والحوار على منطق المواجهة والصدام.
لم يكن التحول في العلاقة بين الدولة الموريتانية والجماعات المسلحة ناتجًا عن التفاهمات التي وُقِّعت بين الطرفين وحسب. فقد تزامن هذا التحول مع متغيرات إقليمية ودولية أسهمت في إعادة رسم أولويات الجماعات المسلحة. فعلى المستوى الإقليمي، أدَّت الحرب في مالي، سنة 2012، وما صاحبها من تدخلات إقليمية ودولية في الشأن المالي إلى استنزاف تلك الجماعات؛ ما جعلها تركِّز جهودها على ساحة المواجهة داخل الأراضي المالية، وتتجنب فتح جبهات جديدة في موريتانيا.
أما على المستوى الدولي، فقد أعادت التحولات الكبرى التي تلت موجة “الربيع العربي” تشكيل خريطة الصراع في المنطقة، ورفعت “الحركات الإسلامية السياسية” إلى الواجهة. فأصبحت في نظر الغرب وشركائه من الأنظمة العربية والإسلامية، التحدي الأكبر والأكثر إلحاحًا وأولوية؛ وهو ما أدَّى إلى تحول الاهتمام السياسي والإعلامي والأمني في الغرب وحلفائه في المنطقة العربية نحو تلك الجماعات. وهذا ما جعلها تنكفئ على نفسها، وتنشغل بإعادة ترتيب بنيتها الداخلية بعد أن خَفَّ عليها الضغط، بدل الاستمرار في مهاجمة دول لم تعد تُدرجها في دائرة الأولويات. ومن ثم، تراجع استهدافها لموريتانيا.
الحوار مع السلفيين الجهاديين: سياقه ومساره
جاء الحوار مع السلفيين الجهاديين في سجون موريتانيا تتويجًا لمسار تراكمي تَشَكَّل خلال سنوات المواجهة مع الجماعات المسلحة، كانت أبرز مظاهره التحولات الفكرية التي بدأت تظهر في الوسط السلفي، وتطور المقاربة الرسمية للدولة في التعامل مع السلفية الجهادية المسلحة، وانتقالها بشكل متدرج من الاعتماد على الحل الأمني وحده إلى تبنِّي مقاربة تجمع بين الردع الأمني والمعالجة الفكرية.
على مستوى السلفيين، من الراجح أن المراجعات الفكرية لم تبدأ مع إطلاق الحوار الرسمي، وإنما سبقته بسنوات. فقد أتاح احتكاك السجناء السلفيين بالمعتقلين المنتسبين إلى التيار الإسلامي المحسوب على جماعة الإخوان فرصة لنقاش قضايا فكرية متعددة، مثل الديمقراطية ومكانة المرأة والولاء والبراء والجهاد والتكفير والحاكمية والموقف من الحكام والسنَّة والبدعة. والظاهر أن تلك النقاشات أسهمت في دفع بعض المعتقلين السلفيين إلى إعادة النظر في كثير من قناعاتهم السابقة وإخضاعها للمراجعة والمساءلة. يرجِّح ذلك أن بعضًا من أولئك المعتقلين تخلوا عن تلك الأفكار بعد الإفراج عنهم في 2006، واتجهوا إلى العمل الدعوي العام، بمن فيهم بعض أفراد المجموعة المعروفة بـ”الشباب السبعة”. إضافة إلى ذلك، فُتح نقاش مطوَّل داخل التيار السلفي حول مشروعية تأسيس حزب سياسي، والمشاركة في العملية الانتخابية. وبينما أبدى أغلب السلفيين تحفظهم على هذه الفكرة، كان القيادي السلفي، محفوظ ولد إدوم، من أبرز المتحمسين لها. وقد سعى بالفعل إلى تأسيس حزب سياسي باسم “جبهة الأصالة والتجديد”، غير أن وزارة الداخلية رفضت الترخيص له(20).
وأسهمت مراجعات بعض القيادات السلفية والجهادية الموريتانية في تهيئة المناخ الفكري للحوار. فقد عبَّر الشيخ محفوظ بن الوالد، الذي يُعد من القيادات العليا في تنظيم القاعدة، عن مراجعات فكرية انتقد فيها كثيرًا من أطروحات القاعدة. وقد اكتسبت تلك المراجعات قيمتها عند الشباب السلفي لكونها صادرة من شخصية تحظى بمكانة مقدَّرة داخل الأوساط الجهادية، وليست محل تهمة بالنسبة إليهم، وهو ما منحها مستوى من المصداقية لدى الشباب الجهادي في موريتانيا.
كما أن الدكتور محمد أحمد بن زاروق، المعروف بالشاعر، كتب هو الآخر مراجعات نشرها على موقع “شذرات شنقيطية” قبل أن تُحجب لأسباب غامضة، تناول فيها بالنقد جملة من القضايا التي تشكِّل مرتكزات الخطاب السلفي المعاصر، بما في ذلك الموقف من الأشاعرة ومن المذاهب الفقهية، والمدارس الإصلاحية المعاصرة. وناقش قضايا فكرية ومنهجية ذات صلة بالتصورات العقدية والفقهية التي يقوم عليها أساس الفكر الجهادي. ورغم أن “الشاعر” يُعد من رموز السلفية العلمية، إلا أنه يحظى بتقدير كبير لدى شباب السلفية الجهادية. وهو ما يرجح أن مراجعاته كان لها مستوى من التأثير في تهيئة البيئة الفكرية التي سبقت الحوار، والمراجعات اللاحقة.
التجربة الموريتانية في مواجهة الجماعات السلفية المسلّحة من الردع الأمني إلى الحوار وإعادة الإدماج
لم تَسِر المقاربة الموريتانية في التعامل مع الجماعات السلفية المسلّحة على خطٍّ واحد، بل أخذت منحنى متعرجًا وشاملًا. فبدأت بالدفاع ثم انتقلت إلى الهجوم والردع الاستباقي وانتهت بالحوار وتوقيع التفاهمات. وتبرز أهمية التجربة الموريتانية، عند مقارنتها بتجارب مصر والسعودية وليبيا، بكونها نجحت في دمج الحوار ضمن مقاربة شاملة، جمعت بين الردع الأمني والحوار الفكري والإدماج الاجتماعي.
إخليهن محمد الأمين
مقدمة
شكَّلت الجماعات الجهادية خلال العقود الماضية، تحديًا أمنيًّا وفكريًّا معقدًا أمام الدول والمجتمعات على السواء. ورغم أن هذه الجماعات تنطلق بصورة إجمالية من المرجعية السلفية، بمفهومها الضيق، إلا أنها تختلف بشكل جذري عن السلفية التقليدية في عدد من المواقف، وعلى رأسها الموقف من السلطة السياسية. ففي حين تميل السلفية التقليدية إلى تأكيد شرعية الحاكم ووجوب طاعته بصورة مبالغ فيها، تنطلق التنظيمات الجهادية المسلحة من رؤية صدامية مع الأنظمة السياسية القائمة، وتَعُدُّها فاقدة للشرعية.
تستند الأطروحة الجهادية إلى معطيين رئيسيين: أحدهما فكري، يتمثل في تأويلات خاصة لمفاهيم الإيمان والكفر، والولاء والبراء، والجهاد، والحاكمية، وما يتصل بهذه المفاهيم من قضايا شرعية وفكرية. وثانيهما واقعي، يرتبط بما تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية من أزمات سياسية واجتماعية، رسَّختها سياسة الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، وما صاحب ذلك من دعمٍ غربي للأنظمة السياسية الحاكمة، التي يتهمها الجهاديون بالاستبداد والتبعية للغرب والخروج عن أحكام الشريعة، والتفريط في مصالح الأمة.
وقد اعتمد كثير من دول العالم، لفترة طويلة، على المقاربة الأمنية أداة رئيسية في مواجهة الجماعات المسلحة، إلا أن هذه المقاربة، وإن نجحت في إضعاف الجماعات المسلحة في بعض السياقات، لم تُنْهِ خطرها ولم تَقْضِ عليها بشكل كامل، بل أفرزت نسخًا لاحقة منها أكثر عنفًا وراديكالية؛ ما جعل بعض الدول العربية تلجأ إلى مقاربة الحوار الفكري. وقد شهدت عدة دول عربية تجارب في هذا المجال، كان من آخرها تجربة الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا لجمعها بين الحسم الأمني والحوار الفكري والإدماج الاجتماعي، وما نتج عن ذلك من مراجعات فكرية لعدد من الموقوفين على خلفية قضايا التطرف والأعمال المسلحة؛ الأمر الذي جعلها تُطرح بوصفها إحدى التجارب العربية اللافتة في هذا المجال، خصوصًا إذا استحضرنا سياقها الإقليمي المضطرب أمنيًّا.
تسعى هذه الدراسة، من خلال منهج وصفي تحليلي، مع الاستفادة من المنهج المقارن، إلى تتبع مسار هذه التجربة وسياقاتها، وتحليل العوامل التي أسهمت في نجاحها النسبي، مع بيان أبرز نتائجها والتحديات التي تواجهها. وتهدف إلى الإجابة على السؤال المركزي في هذا الموضوع، وهو: ما الذي منح التجربة الموريتانية خصوصيتها مقارنة بغيرها من تجارب الحوار مع الجماعات المسلحة في العالم العربي؟
السلفية الجهادية في موريتانيا وسياق المواجهة مع الدولة
تأثرت موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي، وعلاقاتها المتشابكة بدول الساحل والصحراء، بالتحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. وأسهمت عوامل عديدة، من أبرزها تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في الجزائر ومالي، في انجذاب عدد من الشباب الموريتاني إلى الطرح الجهادي، والتحاق بعضهم بالجماعات المسلحة التي تنشط في منطقة الساحل؛ كان من أبرزهم أفراد المجموعة المعروفة إعلاميًّا بـ”الشباب السبعة”(1) الذين تلقوا تدريبات عسكرية في الجزائر، وقد اعتُقل ستة منهم سنة 2005، بينما تمكَّن السابع من مغادرة البلاد. وبعد خروجهم من السجن، عاد بعضهم إلى النشاط “الجهادي المسلح”، ووصل بعضهم إلى مواقع قيادية داخل هياكل الجماعات المسلحة، مثل حماد ولد محمد خيري، الذي قُتل عام 2017 في عملية عسكرية(2). أما البعض الآخر، فقد عاد إلى موريتانيا للمشاركة في أنشطة مرتبطة بالجماعات المسلحة، مثل الخديم ولد السمان، فاعتقلهم الأمن الموريتاني مجددًا مع مجموعة أخرى تنشط في نفس الجماعات(3).
لا تكفي التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية وحدها لتفسير نشأة ظاهرة السلفية الجهادية في موريتانيا. فقبل انخراط بعض الشباب الموريتاني في نشاط الجماعات المسلحة، كانت الأرضية الفكرية للتيار الجهادي قد بدأت تتشكل منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، مع فتح فرع للمعهد السعودي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود في نواكشوط، عام 1979، وظهور شخصيات دعوية وعلمية تتبنى الطرح السلفي، وتنشط في نشره داخل البلاد. تزامن ذلك مع توجه بعض الشباب الموريتاني إلى أفغانستان، خلال فترة الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي، وعودة بعضهم لاحقًا حاملين أفكارًا جهادية، كان لها تأثير في وسط السلفية المحلية(4).
وغذَّت التحولات الدولية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وصعود الخطاب الجهادي العالمي، الذي انتشر على نطاق واسع عبر الأشرطة المسجلة ومواقع الإنترنت، الفكر الجهادي في موريتانيا. وفي تلك الفترة كانت مقاهي الإنترنت القناة الرئيسية لتداول خطابات قادة الجماعات الجهادية، ومتابعة تطورات الصراع في أفغانستان والعراق، وغيرهما من مناطق التوتر.
ولم يلبث هذا التأثر الفكري طويلًا حتى تحول إلى عمل ميداني. فكان أول استهداف مباشر لموريتانيا من قبل الجماعات المسلحة هجوم لمغيطي عام 2005 في عهد الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، الذي قُتل فيه 15 عسكريا موريتانيا(5). بعد ذلك، تصاعدت موجة الاستهدافات، فشهدت البلاد سلسلة من العمليات العسكرية، شملت هجمات على مواقع عسكرية واغتيالات وتفجيرات واختطاف أجانب ومواجهات داخل نواكشوط، كان من أبرزها عملية الغلاوية في 2007(6)، ومقتل السياح الفرنسيين قرب مدينة ألاك في نفس السنة(7)، والاستيلاء على سيارة تابعة لأحد البنوك، وأخذ 56 مليون أوقية منها (حوالي 300 ألف دولار)(8). وفي عام 2008، شهدت البلاد عملية تورين، التي راح ضحيتها 12 جنديًّا موريتانيًّا(9)، إضافة إلى مواجهة تفرغ زينة، التي مثَّلت أول مواجهة مباشرة داخل العاصمة، نواكشوط، بين خلايا الجماعات المسلحة والأجهزة الأمنية الموريتانية، وقُتل فيها ضابط أمن موريتاني(10).
ومع وصول الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، إلى السُّلطة، عام 2008، انتقلت مقاربة موريتانيا في مواجهة الجماعات المسلحة من الدفاع إلى الهجوم. فقد تبنَّى النظام الموريتاني إستراتيجية الردع والهجوم الاستباقي، ونقل المواجهة من الأراضي الموريتانية إلى معاقل الجماعات المسلحة في مالي. وهو ما عَدَّه الوزير الأول، آنذاك، تجاوزًا لمفهوم “الدفاع التقليدي، الذي يتلقى الضربات في مواقع ثابتة، إلى مفهوم الدفاع المتحرك، الذي يضع في الاعتبار احتمال المبادأة والملاحقة”(11). في هذا السياق، نفَّذ الجيش الموريتاني عمليات عسكرية عديدة داخل مالي، استهدفت مواقع لتنظيم القاعدة في بلاد الغرب الإسلامي(12). وبالتوازي مع ذلك، نفَّذ الأمن الموريتاني عمليات واسعة لتفكيك شبكات الجماعات المسلحة أسفرت -حسب المفوض الإقليمي، محمد الأمين ولد أحمد- عن تفكيك تنظيم “أنصار الله المرابطون في بلاد شنقيط”، في أبريل/نيسان 2008، واعتقال ما يربو على 500 شخص، تمت إحالة أكثر من 200 منهم إلى السجن(13).
لكن هذه المقاربة لم تؤدِّ إلى توقف العمليات المسلحة. فقد شهدت البلاد خلال هذه الفترة عمليات عديدة ومتنوعة، كان من أبرزها، في 2009، مقتل الأميركي “كريستوف لكيت” في نواكشوط(14)، والتفجير الانتحاري قرب السفارة الفرنسية بنواكشوط(15)، واختطاف السياح الإسبان على طريق نواكشوط نواذيبو(16). وفي 2010، شهدت البلاد هجومًا انتحاريًّا على مقر قيادة المنطقة العسكرية الخامسة في النعمة(17). يضاف إليها محاولة إدخال سيارة مفخخة إلى نواكشوط، في 2011، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من رصدها، وتفجيرها خارج المناطق المأهولة(18).
يتضح من هذا، أن المقاربة الأمنية والعسكرية لم تكن كافية لمعالجة ظاهرة معقدة، تتداخل فيها الأبعاد الفكرية والاجتماعية والأمنية. لذلك، قررت أجهزة الدولة الموريتانية استكمال المقاربة الأمنية بأدوات أخرى أكثر فاعلية، كان أبرزها الحوار الفكري مع المعتقلين السلفيين، وفتح نافذة للتفاهم مع الجماعات المسلحة في معاقلها بمالي.
من المواجهة إلى المتاركة
في هذا السياق، فتحت الدولة الموريتانية قنوات اتصال مع بعض قيادات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، انتهت إلى تفاهمات غير معلنة بين الطرفين. وبموجب تلك التفاهمات، التزمت الجماعات المسلحة بالامتناع عن التوغل داخل الأراضي الموريتانية، وترك تجنيد الشباب الموريتاني، مقابل توقف موريتانيا عن ملاحقتها خارج حدودها(19). وقد أسهمت تلك التفاهمات، إلى جانب عوامل أخرى داخلية وإقليمية ودولية، في تراجع النشاط المسلح داخل موريتانيا منذ سنة 2011، رغم استمرار الاضطرابات الأمنية في دول الجوار، لاسيما مالي.
بعد ذلك، شهدت المقاربة الموريتانية تحولًا بارزًا تمثل في الانتقال من التعامل مع الظاهرة الجهادية بوصفها تهديدًا أمنيًّا فقط، إلى التعامل معها بوصفها ظاهرة أكثر تعقيدا، لها أبعاد فكرية واجتماعية. من هنا، ولدت فكرة الحوار مع السلفيين داخل السجون الموريتانية، التي كان الهدف منها إقناع الشباب السلفي بمراجعة قناعاتهم المتعلقة بالتكفير والجهاد والعلاقة بالدولة والمجتمع. ومع وصول الرئيس، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الحكم، في 2019، حافظت موريتانيا على المكاسب الأمنية التي تحققت خلال العقد السابق، وركزت على تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، مع الإبقاء على الجاهزية الأمنية والعسكرية. وقد انعكس هذا التوجه على مجمل السياسات العامة، سواء في المجال السياسي أو في المجال الأمني؛ حيث غلبت مقاربات الاحتواء والحوار على منطق المواجهة والصدام.
لم يكن التحول في العلاقة بين الدولة الموريتانية والجماعات المسلحة ناتجًا عن التفاهمات التي وُقِّعت بين الطرفين وحسب. فقد تزامن هذا التحول مع متغيرات إقليمية ودولية أسهمت في إعادة رسم أولويات الجماعات المسلحة. فعلى المستوى الإقليمي، أدَّت الحرب في مالي، سنة 2012، وما صاحبها من تدخلات إقليمية ودولية في الشأن المالي إلى استنزاف تلك الجماعات؛ ما جعلها تركِّز جهودها على ساحة المواجهة داخل الأراضي المالية، وتتجنب فتح جبهات جديدة في موريتانيا.
أما على المستوى الدولي، فقد أعادت التحولات الكبرى التي تلت موجة “الربيع العربي” تشكيل خريطة الصراع في المنطقة، ورفعت “الحركات الإسلامية السياسية” إلى الواجهة. فأصبحت في نظر الغرب وشركائه من الأنظمة العربية والإسلامية، التحدي الأكبر والأكثر إلحاحًا وأولوية؛ وهو ما أدَّى إلى تحول الاهتمام السياسي والإعلامي والأمني في الغرب وحلفائه في المنطقة العربية نحو تلك الجماعات. وهذا ما جعلها تنكفئ على نفسها، وتنشغل بإعادة ترتيب بنيتها الداخلية بعد أن خَفَّ عليها الضغط، بدل الاستمرار في مهاجمة دول لم تعد تُدرجها في دائرة الأولويات. ومن ثم، تراجع استهدافها لموريتانيا.
الحوار مع السلفيين الجهاديين: سياقه ومساره
جاء الحوار مع السلفيين الجهاديين في سجون موريتانيا تتويجًا لمسار تراكمي تَشَكَّل خلال سنوات المواجهة مع الجماعات المسلحة، كانت أبرز مظاهره التحولات الفكرية التي بدأت تظهر في الوسط السلفي، وتطور المقاربة الرسمية للدولة في التعامل مع السلفية الجهادية المسلحة، وانتقالها بشكل متدرج من الاعتماد على الحل الأمني وحده إلى تبنِّي مقاربة تجمع بين الردع الأمني والمعالجة الفكرية.
على مستوى السلفيين، من الراجح أن المراجعات الفكرية لم تبدأ مع إطلاق الحوار الرسمي، وإنما سبقته بسنوات. فقد أتاح احتكاك السجناء السلفيين بالمعتقلين المنتسبين إلى التيار الإسلامي المحسوب على جماعة الإخوان فرصة لنقاش قضايا فكرية متعددة، مثل الديمقراطية ومكانة المرأة والولاء والبراء والجهاد والتكفير والحاكمية والموقف من الحكام والسنَّة والبدعة. والظاهر أن تلك النقاشات أسهمت في دفع بعض المعتقلين السلفيين إلى إعادة النظر في كثير من قناعاتهم السابقة وإخضاعها للمراجعة والمساءلة. يرجِّح ذلك أن بعضًا من أولئك المعتقلين تخلوا عن تلك الأفكار بعد الإفراج عنهم في 2006، واتجهوا إلى العمل الدعوي العام، بمن فيهم بعض أفراد المجموعة المعروفة بـ”الشباب السبعة”. إضافة إلى ذلك، فُتح نقاش مطوَّل داخل التيار السلفي حول مشروعية تأسيس حزب سياسي، والمشاركة في العملية الانتخابية. وبينما أبدى أغلب السلفيين تحفظهم على هذه الفكرة، كان القيادي السلفي، محفوظ ولد إدوم، من أبرز المتحمسين لها. وقد سعى بالفعل إلى تأسيس حزب سياسي باسم “جبهة الأصالة والتجديد”، غير أن وزارة الداخلية رفضت الترخيص له(20).
وأسهمت مراجعات بعض القيادات السلفية والجهادية الموريتانية في تهيئة المناخ الفكري للحوار. فقد عبَّر الشيخ محفوظ بن الوالد، الذي يُعد من القيادات العليا في تنظيم القاعدة، عن مراجعات فكرية انتقد فيها كثيرًا من أطروحات القاعدة. وقد اكتسبت تلك المراجعات قيمتها عند الشباب السلفي لكونها صادرة من شخصية تحظى بمكانة مقدَّرة داخل الأوساط الجهادية، وليست محل تهمة بالنسبة إليهم، وهو ما منحها مستوى من المصداقية لدى الشباب الجهادي في موريتانيا.
كما أن الدكتور محمد أحمد بن زاروق، المعروف بالشاعر، كتب هو الآخر مراجعات نشرها على موقع “شذرات شنقيطية” قبل أن تُحجب لأسباب غامضة، تناول فيها بالنقد جملة من القضايا التي تشكِّل مرتكزات الخطاب السلفي المعاصر، بما في ذلك الموقف من الأشاعرة ومن المذاهب الفقهية، والمدارس الإصلاحية المعاصرة. وناقش قضايا فكرية ومنهجية ذات صلة بالتصورات العقدية والفقهية التي يقوم عليها أساس الفكر الجهادي. ورغم أن “الشاعر” يُعد من رموز السلفية العلمية، إلا أنه يحظى بتقدير كبير لدى شباب السلفية الجهادية. وهو ما يرجح أن مراجعاته كان لها مستوى من التأثير في تهيئة البيئة الفكرية التي سبقت الحوار، والمراجعات اللاحقة.
في المقابل، كانت الدولة الموريتانية قد أدركت بعد سنين من مواجهة الجماعات الجهادية المسلحة، أن المقاربة العسكرية وحدها لا تكفي، وهذا ما خلصت إليه أعمال “الندوة الدولية لمكافحة الإرهاب: التجربة الموريتانية نموذجًا”، التي نظَّمها المعهد الموريتاني للدراسات الإستراتيجية، التابع للدولة.
بهذه العوامل، تهيأت أرضية مناسبة للحوار. فالمعتقلون السلفيون أصبحوا أكثر استعدادا للحوار، والدولة أصبحت أكثر إدراكًا ووعيًا بإمكانية توظيف الحوار لمكافحة المجموعات السلفية الجهادية المسلحة، بديلًا من المقاربة الأمنية والعسكرية أو مكملًا لها.
وتشير المعطيات إلى أن الرئيس محمد بن عبد العزيز هو من أعطى الأوامر بإطلاق الحوار مع السلفيين، وأوكل ذلك إلى لجنة من كبار العلماء في البلاد. وقد بدأت الجولة الأولى من الحوار، في يناير/كانون الثاني 2010، بمشاركة عدد من كبار العلماء، من بينهم محمد المختار بن امباله، والشيخ محمد الحسن بن الددو، وأحمد ولد لمرابط، وعبد الله بن أمينو، وأحمد مزيد بن عبد الحق، إلى جانب شخصيات علمية أخرى. وقُسِّمت هذه الجولة من الحوار إلى مرحلتين رئيسيتين؛ تولى إدارة الأولى منهما محمد المختار بن امباله، بينما قاد الثانية الشيخ محمد الحسن بن الددو. وتركزت المناقشات على تفكيك القضايا الكبرى التي يتأسس عليها الفكر الجهادي، لاسيما قضايا التكفير والجهاد والولاء والبراء والحاكمية والعلاقة بالدولة والمجتمع واستهداف الأجانب.
ووفقًا لما أعلنته اللجنة المشرفة على الحوار، أسفرت المرحلة الأولى من الحوار عن نتائج مهمة، تمثَّلت في تراجع غالبية المعتقلين السلفيين، باستثناء ثلاثة من أصل نحو سبعين معتقلًا، عن تكفير الدولة والمجتمع، وتوقيعهم تعهدات بعدم حمل السلاح ضد الدولة أو الرعايا الأجانب. أما الثلاثة الذين لم يعلنوا تراجعًا كاملًا عن أفكارهم، فقد أكدت مصادر من داخل اللجنة المشرفة على الحوار بأنهم أبدوا تغيرًا ملحوظًا في طريقة التفكير(21).
وقد أسهمت النتائج التي انتهت إليها هذه المحطة من الحوار في ترسيخ القناعة لدى الدولة ولجنة العلماء على حدٍّ سواء، بأهمية الحوار. فقد أبدى العلماء ارتياحهم لما حققه من نتائج وطالبوا بمواصلته وتوسيعه ليشمل بقية المعتقلين السلفيين. وفي ضوء تلك النتائج، بدأت السلطات بالإفراج التدريجي عن المعتقلين الذين أعلنوا التراجع عن أفكارهم السابقة، ووقَّعوا على التعهدات التي انتهى إليها الحوار. وفي ديسمبر/كانون الأول 2011، أُفرج عن مجموعة منهم، ودعا المفرج عنهم السلطات إلى إطلاق سراح بقية زملائهم، الذين كانوا قد وقَّعوا بدورهم على وثائق المراجعات الفكرية(22).
وبالتوازي مع الإفراجات، حرصت الدولة على استمرارية الحوار، فأطلقت جولة ثانية من الحوار، شارك فيها تسعة عشر عالمًا يمثلون مختلف الاتجاهات الإصلاحية في البلاد. واستمر النقاش حول نفس القضايا التي يقوم عليها أساس الفكر الجهادي: التكفير والولاء والبراء وحمل السلاح ضد الدولة وحكم استهداف الأجانب(23).
لم تقتصر المقاربة الموريتانية على الإفراج عن السجناء الذين ثبتت مراجعاتهم الفكرية، بل هيأت الظروف اللازمة لإعادة دمجهم في المجتمع. فتبنَّت الدولة سياسة تقوم على تشجيع المفرج عنهم على الانخراط في الحياة العامة من خلال تقديم مساعدات مالية لبعضهم(24)، وفتح المجال أمامهم ليشاركوا في النشاط الدعوي والعلمي. وقد أثمرت هذه المقاربة بناء مستوى من الثقة بين الدولة وعدد من المعتقلين السلفيين. فبعد أن كان الحوار مبادرة رسمية من طرف الدولة، أصبح السجناء السلفيون يطالبون من تلقاء أنفسهم باستئنافه وتوسيعه. وقد عبَّروا في رسالة مكتوبة عن التزامهم بمنهج الحوار وقبولهم بنتائجه، وعَدَّوه من أمثل السبل لتسوية أوضاعهم ومعالجة أسباب الأزمة(25).
وبعد سنوات من خفوت الحديث الإعلامي عن الحوار، عاد الملف إلى الواجهة في منتصف 2026، من خلال جولة جديدة من الحوار مع السجناء السلفيين، انتهت بإعلان عدد منهم عن مراجعات فكرية، أعقبها عفو رئاسي عن بعضهم، بعد توصية لجنة الحوار بذلك(26). وقد أُفرج هذه المرة عن ثمانية من أصل أربعة عشر سجينًا سلفيًّا(27).
لا تكمن أهمية هذه الجولة من الحوار في عدد المفرج عنهم، بقدر ما تكمن في نوع الشخصيات التي أعلنت مراجعتها الفكرية، لاسيما الخديم ولد السمان، الذي يُعد قائد السلفية الجهادية في موريتانيا وأحد أبرز رموزها. فهو أحد أفراد مجموعة “الشباب السبعة”، وكان قد فَرَّ من السجن، عام 2006(28)، قبل أن يعود إلى موريتانيا مكلفًا من مختار بالمختار بتأسيس تنظيم “أنصار الله المرابطون ببلاد شنقيط”، وتولي قيادته(29). وقد ارتبط اسم ولد السمان بعدد من المحطات في تاريخ النشاط الجهادي في موريتانيا، من بينها أحداث تفرغ زينة، والاستيلاء على سيارة تحمل مبالغ مالية كبيرة، وقتل سياح فرنسيين، وقد صدر عليه حكم بالإعدام بسبب ذلك(30). وكان موقفه في الجولات السابقة من الحوار لافتًا، فقد اشترط في جولة 2011 أن تكون الجلسات علنية مفتوحة للجميع، وأن يخضع العلماء لآراء المعتقلين السلفيين إذا ظهر رجحانها، وألا يكون الهدف فقط أن يتراجع السلفيون عن أفكارهم(31). وهذا ما جعل مراجعات ولد السمان ذات دلالات رمزية وسياسية تتجاوز شخصه إلى التجربة الجهادية في موريتانيا برمتها.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى جولة 2026 بوصفها تتويجًا للمسار الذي بدأ سنة 2010. فلم يعد الحوار يستقطب العناصر الأقل تأثيرًا في التنظيم الجهادي بل امتد ليشمل شخصيات كانت لسنوات طويلة تمثل النواة الصلبة للتنظيم الجهادي في موريتانيا. وهو ما يعزِّز فرضية أن المقاربة الموريتانية استطاعت، عبر التراكم وطول النَّفَس، أن تحقق اختراقًا داخل البنية الفكرية للتنظيم الجهادي.
والتكفير والعلاقة بالدولة. وتضمنت نقدًا لتنظيم القاعدة، والدعوة إلى الحوار بين الثقافات بدلًا من الصدام بينها. وهو ما منحها ثقلًا فكريًّا جعلها تسهم في دفع آلاف الشباب لوقف نشاطهم ضمن السلفية الجهادية المسلحة(32). أما في السعودية، فقد اتخذت المقاربة طابعًا مؤسسيًّا برعاية من الدولة، من خلال برنامج “المناصحة” والرعاية والتأهيل الشرعي والدعم النفسي والاجتماعي والمتابعة بعد الإفراج، لتغدو جزءًا من المقاربة العامة للدولة في التعامل التيارات الجهادية المسلحة. وما حَدَّ من قيمة هذه التجربة، أنها كانت تستهدف الأفراد والمجموعات الصغيرة ولم تستهدف التنظيمات(33). وفي ليبيا، ارتبط الحوار بمبادرة رسمية، رعاها سيف الإسلام القذافي، وقاد جانبها العلمي مجموعة من العلماء والدعاة، على رأسهم الشيخ علي الصلابي، وبعض كبار ضباط الأمن، وانتهت إلى كتابة وثيقة “الدراسات التصحيحية” التي أصدرتها الجماعات الليبية المقاتلة(34)، إلا أن مسار هذه التجربة لم يكتمل بسبب الثورة على نظام القذافي وما أعقبها من اضطرابات سياسية وأمنية غيَّرت الخريطة كليًّا.
أما التجربة الموريتانية، فتستمد خصوصيتها من السياق الذي نشأت فيه، ومن الطريقة التي أدمج فيها الحوار ضمن آليات أخرى. كما أن الحوار في هذه التجربة أُسند إلى لجنة من كبار العلماء، يحظون بتقدير عام من طرف غالبية المعتقلين؛ ما منحه مستوى من الجدية والمصداقية. ولم يكن الحوار مفاوضات على مكاسب سياسية بل كان نقاشًا فكريًّا هدفه الأساسي الإقناع وتصحيح التصورات العقدية والفقهية. وهذا الحوار لم يأت في فراغ بل سبقته مراجعات فكرية داخل التيار السلفي، ونقاشات مطوَّلة في السجون بين التيار السلفي والتيار الإخواني. وتزامن ذلك مع غياب حاضنة اجتماعية لفكر السلفية الجهادية المسلحة داخل موريتانيا، فضلًا عن التحولات الدولية والإقليمية التي ألقت بظلالها على التجربة.
من هنا، فإن المقارنة بين التجربة الموريتانية والتجارب العربية لا تهدف إلى ترتيب هذه التجارب حسب النجاحات والإخفاقات، وإنما إلى إبراز خصوصية كل تجربة في سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي. وإذا كانت التجربة المصرية قد تميزت بعمق مراجعاتها الفكرية، والتجربة السعودية تميزت بطابعها المؤسسي وبرامجها المستمرة، والتجربة الليبية تميزت بإنتاجها وثيقةَ مراجعاتٍ موسعة، فإن التجربة الموريتانية تميزت بكونها نجحت في دمج الحوار ضمن مقاربة شاملة جمعت بين الردع الأمني والحوار الفكري والإدماج الاجتماعي. وتكمن قيمة هذه التجربة في طبيعة النموذج الذي قدَّمته، والذي يمكن الاستفادة منه في وضع سياسات للتعامل مع الحركات السلفية المسلحة في دول الساحل وغرب إفريقيا(35).
عوامل نجاح التجربة الموريتانية
يرجع نجاح التجربة الموريتانية إلى مجموعة من العوامل الأمنية والفكرية والاجتماعية والإقليمية والدولية، التي تراكم أثرها وتداخلت فيما بينها، فشكَّلت بمجموعها الظروف الملائمة لنجاح هذه التجربة. ويمكن ردُّ هذه العوامل، إجمالًا، إلى أربعة عوامل رئيسية، يتعلق بعضها بطبيعة المقاربة التي تبنَّتها الدولة، وبعضها باللجنة العلمية المشرفة على الحوار، وبعضها بالبيئة المحلية الموريتانية، وبعضها يرجع إلى التحولات الإقليمية والدولية وأثرها على الجماعات المسلحة.
أولًا: مقاربة الدولة الموريتانية: تأسست هذه المقاربة على جملة من الأبعاد المتكاملة، بهدف تقليل احتمالات عودة المفرج عنهم إلى النشاط المسلح. فنجحت الدولة، أولًا، في توجيه ضربات استباقية مؤثرة لتلك الجماعات داخل معاقلها، ثم انتقلت إلى معالجة الأبعاد الفكرية والشرعية من خلال الحوار مع المعتقلين، قبل أن تستكمل ذلك بسياسة الإدماج الاجتماعي لمن ثبتت مراجعاتهم.
ثانيًا: اللجنة العلمية المشرفة على الحوار: ضمَّت هذه اللجنة شخصيات تحظى بثقل علمي ورمزي كبير داخل الساحة الإسلامية الموريتانية، وتحظى باحترام غالبية المعتقلين السلفيين، وهو ما منح الحوار قدرًا من المصداقية. فأحمد مزيد بن عبد الحق، وعبد الله ولد أمينو، ومحمد أحمد بن زاروق (الشاعر)، ومحفوظ بن الوالد، ينتمون إلى الاتجاه السلفي، وهو ما جعلهم يحظون بتقدير المعتقلين الجهاديين، بحكم اشتراكهم في المرجعية الفكرية، وإن اختلفوا معهم في قضايا التكفير والجهاد والعلاقة بالدولة. والشيخ محمد الحسن بن الددو يتمتع بمكانة علمية استثنائية داخل الوسط الإسلامي بمختلف اتجاهاته، نظرًا لسعة علمه، وخلفيته الدعوية الإصلاحية، واستقلاله عن السلطة. أما محمد المختار ولد امباله، وأحمد بن لمرابط، فرغم كونهما يُحسبان على التوجه الرسمي، إلا أن ما عُرف عنهما من الاعتدال والرصانة، والبُعد عن القبول بالتوظيف المباشر لرمزيتهما في دعم الخطاب السياسي الرسمي، جعل حضورهما مقبولًا لدى المعتقلين.
ثالثًا: البيئة المحلية: لعبت البيئة المحلية دورًا أساسيًّا في إنجاح التجربة الموريتانية تجلَّى في عدة جوانب، أولها أن تنظيمات السلفية الجهادية افتقدت الحاضنة الاجتماعية داخل موريتانيا. فعلى الرغم من وجود مظالم اجتماعية متعددة، فإن تلك التنظيمات لم تنجح في استقطاب الفئات التي تعاني من المظالم، بخلاف ما حدث في مالي؛ حيث استطاعت الجماعات المسلحة استثمار شعور بعض المكونات بالتهميش، وبناء قاعدة اجتماعية داخلها، وفَّرت لها بيئة مناسبة للتجنيد والتمدد. وثانيها أن الحوار في موريتانيا لم يبدأ في فراغ، فقد سبقته مراجعات ونقاشات فكرية داخل الوسط السلفي شارك فيها عدد من رموز التيار، كما أن النقاشات التي دارت بين السلفيين والإخوان داخل السجون أسهمت في تهيئة المناخ الفكري للمراجعات.
رابعًا: التحولات الإقليمية والدولية: فقد ساعدت تلك التحولات على تهيئة الظروف المواتية لنجاح التجربة الموريتانية. فمن جهة أدَّت الحرب في مالي إلى استنزاف الجماعات المسلحة وإعادة توجيه أولوياتها إلى ساحات الصراع المباشر. ومن جهة ثانية، غيَّرت التحولات التي أعقبت الربيع العربي المزاج العام في العالم العربي، وأضعفت وهج الجاذبية الذي كانت تتمتع به التنظيمات الجهادية لدى قطاع واسع من الشباب العربي، بعد أن كانت تمثل خلال العقدين الماضيين، في نظر الشباب العربي، الخيار الوحيد لمواجهة هيمنة الدول الغربية والأنظمة العربية. فقد برزت خيارات بديلة جعلت قطاعًا واسعًا من الناس ينصرف إليها.
ختامًا، يبقى التحدي الأكبر أمام التجربة الموريتانية هو ضمان عدم عودة المفرج عنهم إلى النشاط المسلح. خصوصًا أن ثمة سابقة تؤكد أن المراجعات لا تمثل ضمانًا بعدم الانتكاسة في جميع الأحوال. فقد عاد ثلاثة من المفرج عنهم في حوار 2010 إلى النشاط الجهادي، قُتل منهم اثنان، وأُعيد اعتقال الثالث سنة 2019، قبل أن يُفرج عنه مرة أخرى سنة 2020.
ولكن هذه الانتكاسة لا تنال من نجاح التجربة؛ إذ إن غالبية المفرج عنهم في حوار 2010، والبالغ عددهم سبعة وأربعين فردًا، اندمجوا داخل المجتمع، باستثناء أولئك الثلاثة(36). لذلك، ينبغي أن يكون تقييم التجربة مبنيًّا على حصيلتها العامة، لا على الاستثناءات التي صاحبت تلك التجربة.