ولاته.. ذاكرة وطن على قارعة الطريق/محمد حبيب الله ولد حمِّ

(حين يصبح “الطريق” استحقاقا للتاريخ، وضرورةً للتنمية)

 

مفارقة..

هناك حقائق لا تحتاج إلى كثير من البلاغة لتكشف حجم المفارقة التي تنطوي عليها. ومن بينها أن مقاطعة ولاته، إحدى أعرق مقاطعات موريتانيا وأكثرها حضورا في الذاكرة الوطنية، لا تضم إلى اليوم كيلومترا واحدا من الطرق المعبدة.! وفي الوقت الذي امتدت فيه شبكات الطرق إلى معظم مقاطعات البلاد بقيت ولاته خارج هذه الخريطة، وكأن التاريخ وحده يكفي لتعويض غياب التنمية.!

 

وليس المقصود من إثارة هذه المفارقة عقد مقارنة بين مناطق الوطن، ولا التقليل من أهمية ما تحقق من الطرق في جهات أخرى وإنما التوقف عند وضع يستحق التأمل بمنطق العدالة والإنصاف، حين يتعلق الأمر بمدينة ليست هامشا في تاريخ موريتانيا بل إحدى ركائز ذاكرتها الثقافية والحضارية.

 

ولاتة .. حاضرة علم وذاكرة وطن

 

ليست ولاته مجرد مقاطعة في أقصى الشرق الموريتاني، وإنما إحدى الحواضر التي أسهمت في صياغة الشخصية العلمية والفكرية للبلاد. فمن بين أحيائها العتيقة خرج العلماء والفقهاء، وفي خزائنها حُفظت نفائس المخطوطات، وعلى أرضها التقت قوافل التجارة بقوافل المعرفة، حتى غدا اسمها عنوانا للأصالة، ورمزا للعلم وجزءا أصيلا من الهوية الوطنية.

 

ورغم ما قدمته الدولة من اهتمام مشكور في هذا الجانب، إلا أن قيمة المدن التاريخية لا تُصان بالاحتفاء بماضيها وحده، ولا بالمحافظة على معالمها الأثرية فحسب، وإنما بتمكينها من أسباب الحياة، وربطها بمحيطها، وتهيئة الظروف التي تجعلها قادرة على الإسهام في الحاضر كما أسهمت في الماضي. فالتاريخ الذي يُترك معزولا عن التنمية، يفقد مع مرور الزمن جزءًا من قدرته على الاستمرار والتأثير.

 

الطريق.. بوابة التنمية

 

ومن هذا المنطلق، فإن تعبيد طريق ولاته ليس مشروعا للبنية التحتية فحسب بل هو استحقاق وطني وتنموي. فالطرق ليست مجرد إسفلت يمتد بين منطقتين، بل هي تنمية، وتعليم، وصحة، وفرص استثمار، واستقرار للسكان. وهي كذلك وسيلة لحماية المجال من النزوح والتصحر، وتشجيع المواطنين على البقاء في أرضهم، من خلال توفير شروط الحياة الكريمة، بدل دفعهم إلى الهجرة نحو المدن الكبرى بحثا عن الخدمات وفرص العيش. ومن هنا فإن الطريق لا يخدم حركة التنقل فقط، وإنما يسهم في بناء استقرار اقتصادي واجتماعي متوازن، ويمنح المناطق الداخلية فرصة حقيقية للمساهمة في مسيرة التنمية الوطنية.

 

قرى تنتظر فك العزلة

 

لن تكون “ولاته” المدينة الوحيدة المستفيدة من هذا المشروع بل سيشكل الطريقُ شريانا حيويا لمختلف سكان المقاطعة ومحيطها الجغرافي، كما سيمر بعدد كبير من القرى والتجمعات السكنية التي عانت من مشكلة العزلة لعود طويلة،

ومن أهم تلك القرى التي سيعبرها الطريق وتستفيد منه بشكل مباشر: قرى العدالة، والسترية، وشكرطيل، وآيت فج، وارشان، واتويجيلة أهل عباد، وكريات، إضافة إلى قرى أخرى لا تبعد عن مساره سوى أقل من عشرين كيلومترا، مثل: اكليبات اجموع، وانواودار، وبربارة، وزوق، واتقوميت1، واتقوميت 2 ودخلت الصالحين، ومدروم أهل لعبيد، ولعويلية،ولحسي، ولخنيگ، وكلابت ابلحبار.أميلح أهل بولرياح كما ستستفيد منه تجمعات تقع غرب مساره، من بينها :آگوينيت (عاصمة البلدية التابعة لمقاطعة النعمة،) وامريحيم، وأم اسديرة، وبوزكرارة، ولمليسة ،وأيدگوهار، وأم ركبة، وأوطفن، وقاجاط، وبوعش.. الخ

 

وهكذا فإن أهمية هذا الطريق لا تتوقف عند حدود مدينة ولاته، بل تمتد إلى مجال سكاني واسع سيستفيد من تحسين ظروف التنقل، وتقريب الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، والتخفيف من معاناة السكان، خصوصا خلال الفترات التي تتحول فيها الأودية والمسالك الرملية إلى عائق حقيقي أمام الحركة اليومية للسكان.

 

آوكار أفق تنموي يستحق الربط

 

كما يمثل الطريق أيضا مدخلا طبيعيا لتنمية منطقة آوكار بصفة عامة، بما تمتلكه من ثروة حيوانية معتبرة، وإمكانات رعوية وسياحية واعدة. فلا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة، أو عن استثمار جاد في المناطق الداخلية دون بنية تحتية قادرة على ربطها ببقية الوطن. والطريق في هذا السياق، ليس مجرد وسيلة للنقل بل هو حجر الأساس لأي مشروع اقتصادي واجتماعي حقيقي.

 

وتتضاعف أهمية هذا المشروع إذا ما اتجهت الدولة مستقبلا إلى إنشاء مقاطعة أو مركز إداري في منطقة آوكار، وهو مطلب ظل يتردد على ألسنة عدد من المنتخبين والفاعلين المحليين. ففي هذه الحالة، سيغدو الطريق العمود الفقري الذي تقوم عليه مختلف الخدمات العمومية، من الصحة والتعليم والحالة المدنية والأمن، كما سيسهل تنفيذ مشاريع المياه والكهرباء، ويعزز بقاء المواطنين في أرضهم، ويمنح المنطقة فرصتها المستحقة في النمو والاستقرار.

 

وفاء للتاريخ وإنصاف للمستقبل

 

ويبقى الأمل أن يحظى هذا المشروع بما يستحقه من اهتمام، وأن يرى النور في عهد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وفي إطار توجه الدولة نحو تعزيز البنية التحتية وتحقيق تنمية أكثر توازنا بين مختلف جهات الوطن، وأن يكون ضمن أولويات حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي، لما يحمله من أبعاد تنموية واقتصادية تتجاوز حدود ولاته إلى خدمة المصلحة الوطنية الأشمل.

 

ختاما؛ إن ولاته لا تطلب تكريما لتاريخها، فقد منحها التاريخ مكانتها بين مدن موريتانيا “القديمة”. لكنها تتطلع إلى حقها الطبيعي في التنمية، وإلى طريق يصل ماضيها بحاضرها، ويفتح لأبنائها أبواب المستقبل.

 

فالوفاء الحقيقي للتاريخ لا يكون بالاحتفاء به في المناسبات، وإنما بترجمته إلى مشاريع تُنصف الإنسان والمكان، وتجسد أن ذاكرة الوطن لا ينبغي أن تبقى على قارعة الطريق.

 

مقال رأي: محمد حبيب الله ولد حمِّ

ناشط شبابي

2026/7/12

زر الذهاب إلى الأعلى