ولاته: كيف يتحول الإرث الحضاري إلى رافعة للتنمية؟/د. مولاي أب اﮔﯿﮕ

ليست ولاته مجرد مدينة تاريخية تستحق الاحتفاء بذاكرتها، بل هي رصيد حضاري وإنساني قادر، إذا أحسن استثماره، على أن يشكل قاعدة لتنمية محلية تقوم على المعرفة والثقافة والخصوصية المجالية.

فقد كانت ولاته عبر تاريخها مركزاً للعلم والتجارة والإشعاع الثقافي، وأسهم رجالاتها في بناء جانب مهم من الهوية العلمية والحضارية لموريتانيا والمنطقة. غير أن قيمة هذا الإرث لا ينبغي أن تبقى محصورة في استحضار الماضي، بل يجب أن تتحول إلى مصدر إنتاج وتنمية، من خلال تثمين التراث، وتطوير السياحة الثقافية، وربط خصوصية المدينة بالفرص الاقتصادية المتاحة.

 

ولا تقتصر ثروة ولاته على موروثها التاريخي، بل تمتد إلى رأسمالها البشري الذي يمثل أحد أهم مقوماتها. فقد أنجبت المدينة أجيالاً من الأطر والكفاءات والخبرات المنتشرة داخل الوطن وخارجه، ممن راكموا تجارب متنوعة في مجالات الإدارة والتعليم والثقافة والاقتصاد ومختلف العلوم. وتمثل هذه الطاقات فرصة حقيقية يمكن البناء عليها، إذا تم تنظيمها ضمن إطار يجعل من أبناء المدينة شركاء في صياغة الرؤية التنموية والمساهمة في تنفيذها.

وتؤكد التجارب التنموية أن امتلاك الموارد التاريخية أو الطبيعية لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق التنمية، ما لم ترافقه رؤية واضحة وقدرة على التنظيم وتعبئة الطاقات. فالمدن التي نجحت في تحقيق التحول لم تعتمد فقط على حجم المشاريع العمومية، وإنما على قدرتها على خلق ديناميكية محلية تحول هذه المشاريع إلى فرص اقتصادية واجتماعية مستدامة.

 

وقد شكل اهتمام الدولة بالمدن التاريخية والمناطق الداخلية خلال السنوات الأخيرة فرصة مهمة لولاته، من خلال تدخلات ومشاريع ساهمت في تحسين بعض الخدمات وتعزيز حضور المدينة، خاصة في إطار المكونة التنموية لمهرجان المدن القديمة ودعم الخدمات الأساسية وتحسين ظروف السكان. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاستفادة من هذه المكتسبات إلى بناء مشروع تنموي يستثمر خصوصية المدينة وإمكاناتها.

ما تحتاجه ولاته اليوم

تحتاج ولاته اليوم إلى الانتقال من منطق المطالب المتفرقة إلى رؤية تنموية متكاملة تقوم على استثمار مقوماتها، ومن أبرز الأولويات:

1- فك العزلة باعتباره مدخلاً لأي تنمية مستدامة:

يشكل إنشاء طريق معبد يربط مدينة ولاته بعاصمة الولاية، وربطها كذلك بمحيطها من القرى والتجمعات المجاورة، أولوية أساسية في أي مشروع تنموي للمدينة. فهذا الربط لا يمثل مجرد مشروع للبنية التحتية، بل يعد شرطاً لتعزيز اندماج ولاته في محيطها الاقتصادي، وتسهيل تنقل السكان، وتحسين النفاذ إلى الخدمات، وتهيئة الظروف الملائمة لتطوير السياحة ودعم الأنشطة الإنتاجية؛

2- تثمين الإرث التاريخي والثقافي وتحويله إلى رافعة اقتصادية:

تحتاج ولاته إلى تجاوز مقاربة المحافظة على المعالم التاريخية فقط، نحو استثمار هذا الرصيد في التنمية، من خلال تطوير السياحة الثقافية، وتأهيل المواقع التاريخية، وتحسين خدمات الاستقبال، وتشجيع الصناعات التقليدية والمنتجات المحلية المرتبطة بهوية المدينة؛

3- تطوير اقتصاد محلي منسجم مع خصوصية المدينة:

تفرض إمكانات ولاته التركيز على أنشطة واقعية قابلة للتطوير، مثل تحسين الزراعة، وتثمين المنتجات المحلية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة للشباب والنساء، بما يخلق فرصاً اقتصادية مرتبطة ببيئة المدينة وقدراتها؛

4- تعبئة رأس المال البشري للمدينة:

تمثل أطر وكفاءات ولاته في الداخل والخارج رصيداً مهماً ينبغي تنظيمه وتفعيله، وتحويله من مبادرات فردية إلى قوة اقتراح ومواكبة للمشاريع التنموية، عبر آليات تضمن مساهمته في التخطيط والتوجيه وبناء الشراكات؛

5- تعزيز الحوكمة المحلية القائمة على الشراكة والفعالية:

تتطلب المرحلة المقبلة تعزيز دور الأطر المحلية والمنتخبين والفاعلين الاجتماعيين، ليس فقط باعتبارهم مستفيدين من المشاريع، وإنما باعتبارهم شركاء أساسيين في صناعة التنمية، من خلال تحديد الأولويات، واقتراح المبادرات الواقعية، وتعبئة الموارد، وبناء الشراكات مع المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني داخل الوطن وخارجه.

أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن تدخل الدولة يظل عنصراً أساسياً في توفير البنية التحتية وإطلاق البرامج التنموية. غير أن تحقيق تحول حقيقي يظل مرتبطاً بقدرة الفاعلين المحليين على استثمار هذه الجهود وتحويل المكتسبات إلى نتائج ملموسة.

فالتنمية الحقيقية تقوم على التكامل بين إرادة الدولة، ومبادرة المجتمع المحلي، وقدرة الفاعلين على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي.

ولاته اليوم تمتلك تاريخاً عريقاً، وهوية مميزة، ورصيداً بشرياً مؤهلاً. ويبقى الرهان الحقيقي هو تنظيم هذه المقومات وتحويلها إلى قوة إنتاج، بما يجعل الإرث الحضاري مورداً للتنمية لا مجرد ذاكرة للماضي، وقيمة اقتصادية واجتماعية تسهم في تحسين حياة السكان، وصون المدينة، وتعزيز دورها الريادي في التنمية والثقافة والسياحة.

زر الذهاب إلى الأعلى